في كتاب عملٌ تحبّه من سلسلة مدرسة الحياة، ناقش المؤلفون في مستهل الكتاب التحولات التي طرأت على علاقتنا بالعمل. ففي عصور مضت، كان العمل يُنظر إليه، في الأغلب، بوصفه وسيلة للكسب ليس إلا؛ ولم يكن السؤال عمّا إذا كنا نحب أعمالنا أو نجد فيها ذواتنا سؤالًا مركزيًا كما هو اليوم. وكان أن يمتلك المرء مالًا كافيًا لترك العمل أقرب إلى أذهانهم منه إلى أذهاننا اليوم. وكانت الحاجة لمنصة تجمع العاملين والمتخصصين غير ملحّة. فبينما تطورت المهن وأصبحت تخصصات تدرس في الجامعات، وكثرت ميادين العمل وتوسعت الحاجة للمختصين: طرأت الحاجة لمنصة تجمع هؤلاء وتؤلف بينهم. وقد كانت ثمّة محاولات في السابق إلا أن منصة لينكدإن هي المنصّة الأبرز اليوم والتي عليها مدار كلامنا.
فاليوم لم يعد كافيًا أن يتعلم المرء مهارة أو يدرس تخصصًا يحتاج السوق إليه، ولا أن يجد وظيفة تناسب تخصصه؛ بل أصبح مطالبًا بأن يجد في عمله شيئًا من نفسه، وأن يكون لهذا العمل معنى، وأن تتوافق المهنة -قدر الإمكان- مع ما يحبه وما يتصوره عن ذاته.
ثم طرأ أمر آخر أظنه جديرًا بالتأمل: لم يعد العمل شيئًا نفعله فحسب، بل صار هويّةً وجزءًا مما نعرضه عن أنفسنا للآخرين. الوظيفة، والمسمى، والجهة، والإنجاز، والمؤتمر الذي حضرناه، ومن التقينا بهم؛ كلها أصبحت أجزاء من هوية مهنية يراد لها أن تُرى وأن تُعرف وأن يُشار إليها بالبنان.
وهنا تأتي منصّة لينكدإن.
يمكن اختصار الفكرة التي قامت عليها المنصة في ثلاث مسائل مترابطة: ماذا تعرف؟ ومن تعرف؟ ومن يعرف ما الذي تعرفه؟ فالمرء قد يمتلك المهارة، لكن هذه المهارة لا تفتح له بابًا بالضرورة إن لم يعرف بوجودها أحد. ومن هنا جاءت قيمة الشبكة المهنية: أن يعرف الناس ما الذي تتقنه، وأن تعرف أنت من يشاطرونك التخصص والاهتمام، فتتبادل معهم المعرفة وتصل من خلالهم إلى الفرص.
المشكلة، إذن، ليست في: من نعرف؛ فذلك جزء أصيل من الحياة المهنية ومن فكرة لينكدإن نفسها. المشكلة تبدأ حين يطغى هذا الجزء حتى يزاحم ما نعرف، وحين تصبح صناعة الحضور أهم من صناعة المعرفة التي هي أساس يقوم عليها ذلك الحضور.
**
من يتصفح لينكدإن اليوم قد يلاحظ أن المسافة بينه وبين منصات التواصل الأخرى لم تعد واسعة كما كانت. فإلى جانب التجارب المهنية، والأوراق العلمية، والخبرات العملية، تظهر أنواع أخرى من المنشورات: ودّعنا فلانًا، واستقبلنا فلانًا، وتشرفت بلقاء فلان، وسعدت بحضور المناسبة الفلانية، ثم صور الاجتماعات والمؤتمرات والتهاني والانتقالات الوظيفية.
وليس في شيء من ذلك خطأ في ذاته. فمن الطبيعي أن تكون العلاقات جزءًا من الحياة المهنية، وأن يفرح المرء بإنجازه أو انتقاله أو لقاءاته. لكن السؤال هو: لماذا أصبح هذا النوع من الحضور شديد المركزية في المنصة؟
ربما لأننا اكتشفنا شيئًا بسيطًا: لا يكفي في عالم المنصات أن تكون لديك معرفة؛ ينبغي أيضًا أن يعرفك الآخرون.
وهنا يبدأ التوتر بين الأمرين.
فالورقة العلمية أو الخبرة المتخصصة تحتاج من المتلقي وقتًا وتركيزًا حتى يقرأها ويستفيد منها، بينما يمكن لصورة مع شخصية معروفة، أو إعلان عن منصب جديد، أو قصة شخصية قصيرة أن تُفهم في ثوانٍ وأن تفتح بابًا سريعًا للإعجاب والتهنئة والتعليق. وبمرور الوقت، يتعلم المستخدم -بشكل مقصود أو غير مقصود- أي نوع من المحتوى يجعله أكثر حضورًا.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة صفحات الترشيحات والتعيينات التي راجت مؤخرًا. يرسل أحدهم صورته ومسمّاه الجديد إلى صفحة واسعة الانتشار، فتعلن الصفحة أن فلانًا تقلد منصبًا في الجهة الفلانية. وقد يكون الخبر مهمًا، وقد يكون انتقالًا وظيفيًا عاديًا، لكن قيمته على المنصة لا تتوقف عند الخبر نفسه؛ فهو أيضًا وسيلة لزيادة الحضور، واتساع دائرة من يعرفون الشخص، وربما ترشيحه لفرص جديدة.
وهذا في ذاته ليس تصرفًا مذمومًا أو بعيدًا عن العقلانيّة. فإذا كانت الفرص مرتبطة -ولو جزئيًا- بمن يعرفك، فمن الطبيعي أن تستثمر في أن يعرفك عدد أكبر من الناس.
لكن ماذا يحدث إذا أصبحت هذه الآلية هي الغالبة؟
ماذا يحدث لـ ماذا نعرف-والتي أهملنا قياسها- حين يصبح من يعرفناهو الشيء الذي نستطيع قياسه بعدد المتابعين والإعجابات والتعليقات؟
**
ربما لهذا نجد قدرًا من الحذر عند بعض الناس في نشر تجاربهم المهنية الحقيقية. فالخبرة المتخصصة تحتاج جهدًا في كتابتها، وقد لا تحقق التفاعل الذي يحققه منشور شخصي بسيط. وقد يعرف صاحب الخبرة أن ما لديه مفيد لمن يعملون في مجاله، ومع ذلك لا يجد في المنصة ما يكفي من الحوافز لأن يحوله إلى معرفة منشورة.
وهنا تظهر مفارقة لينكدإن.
لقد وضعت المنصة، في أحد وجوهها، كي تمكّن المختصين من العثور على بعضهم البعض. لكن الشبكة المهنية لا تبلغ كامل قيمتها حين نعرف أسماء المختصين فقط؛ بل حين نستطيع أيضًا أن نعرف ما يعرفونه.
فما قيمة أن تجمعني منصة بآلاف العاملين في تخصصي إذا لم أرَ إلا أخبار انتقالاتهم الوظيفية وصور مؤتمراتهم؟ وما الذي يمكن أن تصبح عليه المنصة لو شارك أصحاب التجارب إخفاقاتهم كما يشاركون نجاحاتهم، وكتب أصحاب الخبرة عما تعلموه، وأعان من تجاوز مشكلةً من لا يزال يواجهها؟
وهنا، في رأيي، تكمن المسافة بين الشبكة المهنية ومنصة الظهور المهني.
الأولى تجعل العلاقة طريقًا إلى المعرفة والفرصة. أما الثانية فقد تجعل العلاقة والظهور غاية في ذاتهما.
لذا لم تكن المشكلة في أن لينكدإن ربط الفرص المهنية بالعلاقات؛ فهذا جزء من فكرته الأصلية. المشكلة أن العلاقة المهنية بدأت تتحول من رأس مال مهني قائم على المعرفة والكفاءة إلى رأس مال للظهور وجذب الانتباه ومن ثم الفرص.
**
وقد امتد الأمر إلى ما هو أبعد من الحياة المهنية نفسها. فأصبحنا نقرأ في لينكدإن آراءً في الحرب والأسرة والسفر والعلاقات الاجتماعية، وقصصًا شخصية لا تكاد تختلف في موضوعها عما ينشر في إنستغرام وفيسبوك وغيرهما.
ولست أدعو بذلك إلى أن يتحول لينكدإن إلى مجلة علمية جافة، ولا إلى منع الإنسان من أن يظهر في حسابه المهني بوصفه إنسانًا له رأي وحياة وتجارب؛ فالفصل الكامل بين الشخصي والمهني قد يكون مصطنعًا بدوره.
لكن السؤال هو عن القدر، وعن المنطق الذي يحكم ما نختار نشره.
وقد استخدم بعض المشاركين في دراسة حديثة عن استخدام لينكدإن تعبير «Instagramification of LinkedIn»؛ أي اقتراب المنصة تدريجيًا من أنماط العرض الشخصي التي نعرفها في إنستغرام. وكان من الموضوعات التي ظهرت في الدراسة التوتر بين المهنية والشخصنة، وبين رغبة المستخدم في أن يكون حاضرًا ورغبته في أن يحافظ على صورة مهنية يرضى عنها.
وهذا مهم؛ لأنه ينقل المسألة من لوم المستخدم وحده إلى فهم العلاقة بينه وبين المنصة.
فالمنصات لا تجبرنا بالضرورة على نوع محدد من السلوك، لكنها تمنحنا إشارات مستمرة إلى ما يحقق الانتشار وما لا يحققه. والمستخدم بدوره يتعلم تلك الإشارات ويعدّل سلوكه، ثم تتعلم المنصة من سلوك المستخدمين، حتى يصعب في النهاية أن نعرف: من الذي غيّر الآخر أولًا؟
**
لعل القضية، إذن، أكبر من لينكدإن.
نحن نعيش في زمن نظن فيه ألا يكفي فيه أن تنجز؛ بل ينبغي أن يُعرف الناس أنك أنجزت. ولا يكفي أن تَعرِف؛ بل ينبغي أن تُحسن إظهار ما تعرف. ولا يكفي أحيانًا أن تقوم بعمل جيد؛ بل عليك أن تُحسن رواية قصة ذلك العمل.
وهذا ليس شرًا محضًا. فقد أتاحت هذه القدرة على الظهور، ظهور أصحاب خبرات لم تكن ستصل أصواتهم بدونها، وفتحت لهم فرصًا ما كانت لتصل إليهم. لكن المشكلة تبدأ عندما تختل المعادلة: فلا يعود الظهور تابعًا للمعرفة، وإنما يصبح الظهور غايةً في ذاته.
لهذا لا أظن أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: لماذا لم يعد لينكدإن كما كان؟
بل ربما يكون السؤال الأهم:
في سوق عمل يقوم على ما نعرف، ومن نعرف، ومن يعرف ما نعرفه؛ ماذا يحدث حين يصبح الجزء الأخير أهم من الجزأين الأولين؟
مع التحية، راكان ناصر
المصادر:
عمل تحبه: تحرير آلان دو بوتون – ترجمة: الحارث النبهان، دار التنوير.
https://www.emerald.com/jcom/article-pdf/30/5/17/11575963/jcom-12-2025-0328en.pdf




من حديث القرّاء
جارٍ تحميل التعليقات…