حين تجلس إليهم طمعًا في التقرّب والحديث عمّا يفيد؛ سرعان ما تضجر من ازعاجهم وتفكّ العنان للسانك في نقد تصرفاتهم الحمقاء، ويزعجك أنهم يريدون هذا وذاك ويرددون ذلك على مسامعك وكأنك آلة صرف. تصاب باليأس وتفكر في قطع هذا المنغّصات إما بشيء مما يجيء على الهاتف من تسلية أو أخبار وإما بالخروج من المنزل. وأفضل الآباء حالًا من يشتري لهم ما يطلبون ليستريح.
وحين تخرج أو تبتعد؛ تحنّ لهم وتفكّر في مخاطر الحياة وتودّ لو صُبّت كلها عليك ولا يمسّهم الأذى ولا يُنالون بسوء ولو اليسير منه مما يصيب كل إنسان. لكنك معجبٌ بنجاح الصّغار ممن حولك ومن الذي تراهم على منصّات التواصل الإجتماعي. تجد أحدهم أتمّ حِفظ القرآن، وآخر تميّز في فنّ من الفنون الرياضية أو العقلية، وآخر قويُّ الحجّة ومنطلق اللّسان؛ ثم تنظر إلى صغارك وهم يلعبون ويلهون، فلا ترى بوادر التفوّق ولا بصيصًا من الأمل، فكلهم مشغول ببطنه أو هاتفه وكأن الأمر لا يعنيهم؛ فتضجر وتمارس التصفح الإلكتروني أو تخرج من المنزل على أفضل الأحوال قبل أن تُسمعهم ما لا يحبّون.
فأين يا ترى المشكلة؟ وماهو الحل؟ أنت المشكلة وفي يدك الحل بعد توفيق الله. أنت تفترض أن هؤلاء الأطفال يعرفون ما تحدّث نفسك به عن شكل مستقبلهم وما تريده لهم. ربّما لأنك ذكرت لهم أن الذي يحفظ أو يقرأ أو يفعل هذا الأمر أو ذاك سينال رضاك وأنك ستخصّه بجائزة مالية أو ماشابه؛ إلا أن هذا يشبه ما يقوله المدير لموظفيه ولا يفعله. هم هكذا ينظرون إلى الأمر. أنه مجرد كلام أو أن الأمر صعب أو مستحيل وإلا لماذا لم يقم به الأب بدايةً؟ لماذا لم يحفظ أبي؟ لماذا لم يقرأ أبي؟ حتمًا إن الأمر من الصعوبة بمكان وأننا سنحاول ونفشل فلماذا نحاول؟ لماذا لا نتسلى على الهاتف ونطلب الوجبات وسيخضع أبي لمطالبنا وإلا أسلنا الدموع ثم يخضع أبي كما جرت العادة. الأطفال أذكياء ويعرفون من أين تؤكل الكتِف، ولكن لسوء الحظ كتِفك هي التي تؤكل في كل مرّة. هم يعلمون أنك تحبّهم وتؤثرهم حتى وإن لم يقوموا بما تطلبه منهم لأنك لا تبدو في أعينهم ومخيّلاتهم تولي الأمور التي تطلبها منهم أهميّةً كبرى.
ثم إنهم يعرفونك حق المعرفة، لا من حديثك الطويل وتهديدك الذي تمطر به آذانهم كل يوم بل من خلال سيرتك وردة فعلك. فعلى سبيل المثال، أطفالك يعلمون يقينًا أن الغياب عن المدرسة سيكلّفهم الكثير، فلا يغيبون. ولكن ماذا عن حلّ الواجب؟ والأكل باعتدال؟ والصلاة على وقتها؟ ليست مهمةً بنفس الدرجة. لذا ينامون عن الصلاة ولا ينامون عن المدرسة، وقس على ذلك في كل شؤون حياتهم.
وأعلم أنك فكّرت كثيرًا في صلاح أبنائك وابتدعت خططًا كلها أثبتت فشلها -قياسا على أنك كنت تضع نفسك خارج الخطة دائمًا-، ولكنك تمنّي النفس بصلاحهم حتى وإن قصّرت وتتذكر قصصًا عن شباب وبنات أصلحهم الله رغم فساد آبائهم وأمهاتهم.. وأراك تهمس لنفسك "الله هو المصلح" وتنفض يدك من الموضوع كلّه. وهذا صحيح، إرادة الله لا رادّ لها وفضله أوسع من يضيق عن أحد من النّاس. لكن الذي تهمس لنفسك به استثناءً وليس القاعدة. القاعدة تقول أن السنن الكونية تجري على كل أحد، من يزرع يحصد، ومن يسير يصل، ولكل قاعدة استثناء. نعم هناك من حصد وهو لم يزرع، ووصل من دون أن يسير. الله أراد ذلك، ولكنه ليس القاعدة. نعم هناك أطفال مميزون نشأوا في عوائل فاشلة ومفككة. هل ستخاطر بمصير هؤلاء الذين أُأتمنت عليهم طمعًا أن يكونوا هم الاستثناء؟ أتترُك القاعدة وتتعلّق بالحظ وتمنّي النّفس أن يكونوا هم الاستثناء؟ هذا والله من أعجز ما سمعت ورأيت.
ثم ماذا عن حق هؤلاء عليك.. ألست راعيًا ومسؤولًا عن رعيّتك؟
فاقد الشيء لا يعطيه
تخيّل حديث أحدهم عن الكرم وهو بخيـل.. كم تمجّه الآذان وتضيق به الصدور وعكسه حديث الكريم عن الكرم. حتى وإن كانت القصة هي هي؛ النّاس لا تسمع القصّة بحياد، بل تسمع وترى القاص بدايةً. ومثله حديث المُومس عن الشرف، ومثله حديثك عن النجاح وإدارة النّفس والوقت أمام أبنائك وأنت أنت كما تعرف. كيف يستبدل المراهق هاتفه بكتاب، وكيف ينام باكرا، وكيف يأكل باعتدال، وكيف يحترم نفسه والآخر، وكيف يحلم ويطمح، وأنت لست كذلك. أنت المثال الأعلى عنده. تخيّل أنك البطل في قصّته حتى يبلغ الحُلم ثم يراك بطلًا حقًا أو المجرم الذي دمّر حياته ويصبّ عليك اللوم صبًا. ربّما لن يملك الجرأة على ذلك ولكنه سيتحدث به عند أصدقائه ومن يثق بهم. ربّما للمعلم في المدرسة، أو الطبيب النفسي الذي سيظنك السبب في ذهابه إليه.
تخيّل أن يُعطى ابنك استبيانا عنك.. فماذا تظنّك ستبدو في هذا الاستبيان الذي يعلم يقينًا أنك لن تراه.
تخيّل أنك توفيت غدًا، وانظر هل ما بذلت له يؤهلك لأن تكون حاضرًا في دعائه؟ "ولدٌ صالحٌ يدعو له"
هل الهاتف الذكي والأكل السريع والسهر الطويل والسرير الوفير هي كل ما يحتاج في ظنّك؟ إن كانت الإجابة نعم، فلاحول ولا قوة إلا بالله، وإن كانت لا وهي كذلك، فلماذا آثرته بما لا يحتاج وحرمته مما يحتاج؟ أهكذا تجازي قرّة عينك فماذا عن أعدائك؟ ماذا تركت لهم؟
نصيحتي لك: عُد إلى البداية
كل إنسان يعلم يقينًا أن الحياة ليست عبثًا، وأنه لم يخلق ليعبث. كلّنا مفطورون على هذه الفطرة السليمة. نعلم أن الحياة معترك طويل يفضي بنا إلى ما يسر أو إلى ما نكره. امشِ به في هذا الطريق من أوّله. لماذا خُلقت؟ ولكن قبل هذا كله، امشِ أنت في هذا الطريق من أوّله، لماذا خُلقت أنت؟
أنت تفعل الكثير ولكنه كثيرٌ في غير حاجة. توفّر المال والمسكن والمشرب وتختار أفضل المدارس وأفضل التقنيات، وربما تذهب بهم إلى أفضل وجهات السفر وهذا جيّد، لكنه ليس الأهم. هذه زخارف تضعها على كتاب أحدهم، ولكن الكتاب مليئ بالتفاهة وعديم الفائدة. لن تجعل الزخارف ذلك الكتاب قيّمًا ولو استفرغت فيه كلّ جهدك ومالك.
لا تستثقل هذا الحديث وتظنّهم أصغر من أن يعوه ويفهموه، فهذا حديث الفطرة. حدّثهم عن الناجحين وعن الصالحين. حدّثهم عمن تحب أن يتأسوا به، سواءً في الدين أو في الدّنيا. أخلق لهم هذا الفضاء الذي فيه يفكّرون ويحلمون. وحدّث نفسك أولًا. اقرأ قصص الناجحين والصالحين وانقل هذه القصص إلى صغارك حتى يعلمون أنك مهتم بهذا الأمر فيهتمّون به.
كثير من الآباء يلقي باللائمة على الأم أو على المدرسة أو حتى على المجتمع، وهذا وإن كان فيه شيء من الصحّة إلا أنه لا يعفيهم من المسؤولية. أنت الراع وأنت المسؤول. أتظن الله أعطاك الوصاية حتى تلقي باللائمة على غيرك؟ لا أنت المُلام أولًا وآخرًا. لماذا لم تختر ذات الدين؟ ولماذا لم تسع في إصلاحها بعد أن تورّطت؟ ولماذا لم تغيّر المدرسة وتراقب؟ ولماذا لم تبعدهم عن فساد المجتمع الذي تظن؟ ثم لماذا تترك أبناءك لمن لا تثق بصلاحه سواءً الزوجة أو المدرسة أو المجتمع؟ هذا عذرٌ أقبح من ذنب.
ثم لا تقرأ مقالتي هذه وتأخذك الحماسة فتشتري كتبًا وتضعها على الرف أو ترسل لهم مقاطع يوتيوبيّة وتقول لهم كعادتك: الذي يقرأ هذا الكتاب أو يشاهد ذلك الفيديو فله كذا وكذا. اقرأ أنت الكتاب وشاهد أنت الفيديو ثم اجلس إليهم وحدّثهم عنه. واذكر لهم أنك قرأت الكتاب وجئت بالمعلومة من المصدر الفلاني. واستمر على هذا النّهج. الهدف أن تتغيّر أنت وسيتغيّر العالم من حولك، وأطفالك من هذا العالم الذي حتمًا سيتغيّر.




من حديث القرّاء
جارٍ تحميل التعليقات…