مُتخبّط

ابيضّت عيناه من المسّ، وتشنّجت أطرافه حتى كأنها قطع من خشب، وتسرّب لُعابه من على أطراف شفتيه كمن أصابه الصَرع وانعقد لسانُه فلم ينطلق بشيء أكثر من الآهات بعضها يردف بعض. يضمّه شيطانه ضمّةً تشبه ضمّة القبر حتى إذا ظنّ روحه مغادرةً جسده لا محاله، خلّى بينه وبين نفسه. ثم أعاد عليه الكرّة بعد الأخرى حتى ييأسهُ من روح الله ويقنّطه من زوال ما يجد ويكابد. امتد معه البلاء واشتد حتى يأسَ منه ذووه و إلى نفسه أوكلوه.

كان في أول عمره شابّا وضّاء الوجه مستقيماً، يؤم الناس في صلاتهم ويفتيهم إذا أُشكل عليهم ويتودد لهم بابتسامةٍ عريضةٍ وخُلقٍ حسن. ولمّا أحس الناس منه الصدق أرسلوا إليه أبناءهم ليُقرأهم القرآن ويعلّمهم أمور دينهم ويهذّب أخلاقهم. وهم بفعلهم هذا يتمثلون بالمثل الشعبي الشهير “جاور السعيد تسعد”. وكيف لا يسعد من جاور أهل القرآن وخاصّته؟

وكان هذا دأب صاحبنا حينا من الدهر، اقتصرت خطوته على الذهاب والمجيء من وإلى المسجد والمدرسة، وقد قصّر ثوبه وأعفى لحيته ولازم السِواك متأسيا بسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام. أكبرته القلوب ووقّرته الجوارح والعيون وصار مضرب المثل في الخلق والأدب وحسن السيرة. وهو يسير إلى ربه بهدوء لا توتّره نظراتهم ولا تعنيه كلماتهم. يحب الله ويحبه الناس.


فُتن به نساء الحيّ ورحن يكدن له ليمد بينه وبينهن حبل المودّة. العجائز يردن الاستئثار به لبناتهن والبناتُ يطمعن بذلك ويطمحن إليه بحياءٍ تفضحه نبرة الصوت واحمرار الوجنتين. وهو ماضٍ في طريقته ومتأنٍ في إيجاد شريكته. وقد منّى النفس في عصمةِ نفسه وإكمال نصف دينه كثيراً، إلا أن ضيق ذات اليد حالت بينه وبين ما تشتهي نفسه ويرضي ربه ويكمل دينه وهو لا يزال طالباً في الصفوف الثانوية.

انقضت أيام الدراسة وتخرّج الشاب بدرجة متفوقة، وعرض نفسه على أهل الحل والعزم في المنطقة، فهبّوا لخدمته وأوصوا بتوظيفه في أحد مكاتب القريةِ الحكومية. فتمّ له السعدُ وقرّت عينه وأعينهم ببقائه بين ظهرانيهم واكمال مسيرته التي بدأها مذ كان طالباً. فجد واجهتد وعزم على أن يرد جميل القرية وأهلها وأن يمكّن أولادهم من القرآن ويهديهم طريق الرشاد ما استطاع إلى ذلك سبيلا.  

كان جاداً ومثابراً بادي الرأي ثم لما انقضت بضعة أشهر تكرر من صاحبنا التغيّبُ عن صلاة الجماعة بعد أن كان يأتيها حافياً متأسيا بالسنّة المحمدية. ثم تبع إهماله صلاة الجماعة إهماله لوظيفته وتكرر غيابه غير المبرر. فقد كان يُرى واقفا بالباب حيث لا يشتكي من علةٍ ومتغيّبا عن الصلاة وتحفيظ القرآن والعمل معاً. فظنّ الناس به سوءاً وأنه ما سلك تلك الطريقة إلا ليحضى بالوظيفة، وما أن تمّ له ذلك حتى أراهم من نفسه حقيقة أمره. تكررت هفواته وكثرت زلاته وظنّ به الناس الظنون و أصبح بسلوكه الجديدِ فاكهة المجالس و حكاية الموسم يرددها الكبار والصغار وعلامة النفاق التي يُتعوذ منها بالله الواحد القهّار.

والمقرّبون منه يعلمون حقيقةً الرجل وأنه كان يعاني اضطراباً شديداً لا يجدون له تفسيراً. فهو لا يزال يحب المسجد ولكن مانعاً يمنعه من إتيانه، ولا يزال يشتاق للقرآن ولكن شيئا يحول بينه وبين قرآنه، ولا يزال يرى أهمية العمل والكسب الحلال ولكن كأن وحشاً ضارياً يقف في طريقه كلما هم بالذهاب إلى العمل. استأثر أول الأمر بصلاة البيت على صلاة المسجد، وبقراءة وردٍ يسيرٍ على تعليم القرآن، وبالموظبة على إلى العمل في المكتب بالتغيّب المتكرر محتجّاً بحجج واهيةٍ لا تمتّ لشخصه ولا لعقله بـ صلة.

ثم أصبح فيما يُروى عنه سريع الغضب وميّالاً للعزلة. ثم استمرّت انتكاسته كأنه يهوي من جبل ومن حوله لا يجدون في أنفسهم له تبريرا مناسباً يواجهون به حديث الناس. فكل من في القريةِ انقلب من محبٍّ له إلى كارهٍ ومستحقر. وعذرهم أن كيف يتّجر بدينه لأجل عرض من الحياة الدنيا، وكيف يخدعهم وهم له مُكبرون ومحبّون؟

اعتزل الناس وانكفأ على نفسه، يعيش خلوةً ووحشة وهو بين ظهرانيهم، لا يدري ولا يدرون لماذا انقلب حاله وانتكست علانيته وسريرته. اختار الناس الطريق الأسهل، طريق الظن الآثم، الظن السيء، وقد نُهوا عنه في محكم التنزيل “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنّ إن بعض الظنّ إثم” الحجرات. ثم انقلب ظنهم إلى حقيقةٍ حتميّةٍ وأنهم خُدعوا، وأنه خادع وماكر ومنافق.

انبرى حاله، وانسلّت عافيته، وشحُب وجهه، وضاقت به نفسه، وضاق به أهله، وضاق هو بهذا الكون الفسيح. فليس ثمة من يفضي إليه بما يعالج من ألم وضيق وهوانٍ على نفسه والناس. هو نفسه مذهولٌ مما انتهى إليه أمره ولكنه لا يقدر على شيء، يفكّر ويعزم ويقرر، ثم لا يفعل شيئاً ولا يقدم ولا يأخر. لقد فقد زمام أمر نفسه، واستسلم لقهر شيطانه.

**

ومن صوادف الأقدار وحسن تدبير الله للعبد أن قيّض لهذا المسكين رجلاً فاضلاً سمِع بخبره وآلمه كل الألم وأحزنه أشد الحزن ما انتهى إليه أمر هذا الشاب، وقرر بعد مشاورة الأصحاب أن يزوره وأن يحاوره. فأتاه بقلب مشفقٍ عليه ورأي يشير به عليه، فحدث أن استأذن وأذن له، ثم لما أُدخل عليه تبعثرت أفكار رتّبها، وتلعثمت كلمات كان سيبدأ بها. وجده مُرمى على الأرض كقطعة قماش باليه، يأن أنين المريض ويشهق شهقة المُفارق وينتفض انتفاضة من سرت في جسده الكهرباء. وأهله وذووه بين الحزن واليأس يتأرجحون. قلّة الحيلة باديةٌ على وجوههم والتردد مسيطر على تصرفاتهم. ينظرون إليه بعين دامعة وقد أخذت الحيرة بـ لُب عقولهم فاكتفوا بالمشاهدةِ والبكاء واللهجان بالدعاء.

استشكل عليه الأمر بدايةً، واستصعب الموقف بينما كان يجلس بينهم وأنظارهم لا تفارقه، وأمانيهم متعلقة بكل قشّةٍ يجدونها في طريقهم وقد اجتمعت كلها عليه الآن وهو صامت لا يكاد ينطق وحائر في كيف له أن يقنعهم بأمر حُجب عن أنظارهم وتخشاه قلوبهم وتنكره عقولهم. ولا يزال العالم اليوم منقسماً بين هؤلاء الذين يؤمنون بالمسّ وأولئك الذين يرونه خرافةً ومرضاً نفسياً تُعالجه المهدئات والعقاقير.

قال لهم: إن ابنكم هذا صحيح سليم إلا أن شيطاناً تلبّسه وثناه عن كل خير ينويه حتى أقعده وشل أطرافه كما ترون.

قالوا: نعلم، ولكن من الفاعل يا ترى؟

انشغلوا بالفاعل عن المفعول به، انشغلوا عن أخيهم بمن ضرّ أخاهم. وهذا فضول مذموم أودى بكثير من الناس إلى ارتكاب الموبقات وتصديق المشعوذين والمشعوذات.

اطمئن لهم حين وافقوه على تشخيصه الأولي. ثم تأهب واستعد وأهمل سؤالهم واقترب من مريضهم واستعاذ من الشياطين واعوانهم ثم قرأ الفاتحة وأردفها بسورة البقرة وآيات المسّ والسحر والحسد. فكلما مر بآية فيها ذكر سحر أو حسد أو شيطان تلّون الشاب واستثقل الهواء الذي يمر رئتيه، واهتزت اطرافه وفقد السيطرة على جسده. وحينا تتجحلظ عيناه كمن يرى شيئا لا يراه من حوله، و يشعر بنارٍ تسري في دمه، ووحشاَ ضارياً يضمّه بجناحيه ويسيطر عليه. يحاول الفكاك ولا يقدر والمعركة على أشدها.. يتلوى والقرآن يُتلى..

واستمر الرجل الفاضل بزيارته ورقيته، يصب عليه الماء البارد ويقرأ “أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب“، ثم يسقيه من الماء ليُطفئ حرارةً تجري منه مجرى الدم. يغيب عن الوعي ثم يعود إليه وعيه ويصرخ ويسمّي أشخاصا بأسمائهم ويهذي ويزبد. واستمرت الرقية لأشهر حتى تحسّنت حاله وبدأ يستعيد زمام أمره. فحينا يرقيه الرجل الفاضل وحينا يرقي نفسه بنفسه وحينا لا يكون هذا ولا ذاك. فما أن يهمل الرقيةِ يوماً أو يومين حتى يقوى شيطانه ويشتد ويعيده لسابق عهده، ضيّق الصدر وضعيف الإرادة.

وبعد معركةٍ طالت بين نفسه وشيطانه، تماثل الرجل بالشفاء. فحين كان لا يستطيع قراءة القرآن وتبيض صفحات المُصحف في عينيه حال يُمسك به، أصبح يقرأ البقرة كاملةً كل يوم. ويرقي نفسه ويرقي غيره.

استقبل أيامه الجدد بروحٍ خفيفةٍ ورشيقة، وعاد لسالف عهده نشيطاً ومخلصاً ولكنه اصطدم بالصورة النمطية التي تكونت عنه والتي يستحيل أن تعود إلى سالف عهدها.

فأولئك الذين أكبروه يوماً يقفون الآن منه موقف العدو، موقفاً يشبه موقف ذلك الشيطان الذي ابتلي به.. تبدّل الأعداء والإبتلاء واحد.

One Reply to “”

  1. لغة جميلة سلسة
    والفكرة القديمة المتجددة دوما

    مهما بلغت بنا الحضارة والمدنية.. مهما انتشر الحب والإيمان .. لا يترك الجهلة سموم السحر المشؤومة.. اللهم اكفنا إياهم بما شئت وكيف شئت.

    إعجاب

اترك رداً على عالم سلام إلغاء الرد