صيحةُ ميّت

في حيّْ متواضع الإمكانيات وبين أناسٍ متواضعيّ الطموح وفي بيئةٍ متواضعة الفُرص، كأنّ الدنيا قد قُسّمت بين أهل ذلك الحيّ بالتساوي، حيث الكل يقبعُ في دائرة من الفقر مغلقة، نشأ سعد المُلهم..

وقد قلّده والداه هذا الإسم طمعاً منهما في أن يعيش ويسعد. وذلك كان منتهى أملهم فيه وآخر حدود سعادتهم به، لأن الطبيبَ قد زفّ إلى والديه خبر نعيهِ ببرودٍ يشبه برود غُرف وأروقةِ وأسرّة المستشفياتِ وبملامحَ باهتة خالية من المشاعر وحرارةِ الدم. غاب عن الإنظار فانتثرت على أثره العبرات وارتفعت برجاءٍ الدعوات. قال في المجملِ أنه لن يعيشَ طويلاً نظراً للثقب الذي يتوسّط قلبه مما يجعل هذا القلبَ عاجزاً عن أن يمدّ جسده الصغير بالدم لأكثر من بضعةِ أيام.عيبٌ خلقيّ في ظروفٍ وإمكانياتٍ طبيةٍ متواضعةٍ لن تكون مؤهلةً على مساعدته بشيء، وكان أوّل دعواهم وآخرها أن اطلبوا من الله العوض. والحكمة تكمن في بطون الاشياء لا في ظواهرها كما هي الحال عند من اطلق بصره وتفكر في مصائبِ من حوله.


وقضى الله أن يعيش سعدٌ هذا وأن يكون له من اسمه نصيبٌ من السعادة والعلوّ، فسعدت به العائلة ولمع اسمه كبرقٍ يتردد في سماء الحي لا تكاد تخطئه العيون، ولا يمكن أن تخفيه السحائب والمزون. وكأن هذا الثقبَ نتيجةَ طموحهِ الذي انطلق كالرصاصةِ نحو السماء فخلّف ماخلّف من فراغ وجلب ما جلب من فألٍ ونجاح.


فمنذ خطّ شاربهُ وهو يراود التجارة عن نفسها حتى طاوعته فطار في سماءها كالنسر، وثقبهُ هذا كأنه وُجد لتتساقط منه المصاعب والمخاطر، ويتخفف بواسطته من أثقال الحياة ومثبطاتها حتى يخترق سماء المجد بخفةِ الطيرِ ورشاقته.

ليت شعِري لو كان لنا مثلُ هذا الثقب في معناه حتى نتهوّن به ونتخفّف كما كان يفعل صاحبنا هذا.


ومن ثقبه هذا أصبح كأنه يرى الفرص المتناثرة حوله فاغتنم أحداها بعد الأخرى. تارةً يجمع الكراتين ويبيعها لمن هو في حاجتها بأسعارٍ زهيدة وتارةً يرمي بثقله في سوق الأثاث المستعمل فيشتريه من الزاهدين فيه ويبيعه على الطامعين به وهو بذلك كان مرضيا لطرفين نقيضين. أحدهما ابتسمت له الحياة فتجدد لهُ جلدها وتزخرف وتبهرج، والآخر يطمع من الحياة بجلدٍ مستعمل يستر عورة بيته عن عيون الناس. كان يجري مترددا بين فرصةٍ استثمارية وأخرى أكثر ربحاً منها والحياة كأني بها قد تدلّى لسانها لاهثةً من الجري خلفه ولاتزالُ قاصرةً عن اللحاق به.
اجتمع له من جريه الحثيث وسعيه غير المسبوقِ من المالِ مالم يجتمع إلا للقلة القليلة من الناس. فتكثّر منه وتزوّد حتى كأن الفقر لا يزالّ يتوعّده واقفاً على بابه مشهراً في وجهه سيفهُ ومهدداً مستقبل أيامه وهو يحاربه بالمشروع تلو المشروع والفكرة بعد الفكرة والدينار فوق الدينار، وهو من شدة حرصه على الإنتصار في هذه المعركةِ المتوهمّة كان ينفق بعض مالهِ ويكنُز أكثره. كان على أتم الإستعدادِ لتقلّب الحالِ، فقد عسف نفسه على ضيق العيش ومجالدة الدنيا بأقل الزهاب وأشد الحرص. والرائي حين يراه يجزم أنه من عامة الناس الذين يصرفون جلّ أعمارهم في تحصيل مادة عيشهم بدراهمَ معدودةٍ، يسدّون بها رمق أطفالهم بمطعمٍ جيّد ويردّون عنهم برد الشتاءِ بملبسٍ ومسكنٍ دافئ.

وكان لزاماً على الجاهِ والسلطانِ أن يكونا تبعاً للمال وأصحابه. بعيداً عن كفاءةِ الرجل وأخلاقه. فصاحب المالِ مخدومٌ و بطشة يده من الناس بمكان، وضرب قدمه على الأرض له وقع الدينار والدرهم حين يصطدم بالبلاط ويملؤ المكان صداه، فيكون هذا الصوت كالموسيقى العذبةِ على سمعِ الطامعِ والبخيل.


وهو في الحياة كمن يعيش داخل الكُتب، ولا يدرك من الواقع إلا بعض ماتقاطع مع قراءاته وتجربته المتواضعة.. هذا يعرف من الحياة فنونها ومعانيها الكبارِ العصيّة على التطبيق وسعدٌ يعرف من الحياة كيف يضرب بطنها فتخرج كنوزها مكرهةً أو مطيعة.
وصاحِبنا هذا يعدّ مثالاً أعلى على روح العصر المادية المغرية، ونموذجاً حيّا يُصادق على فعالية كتب تطوير الذات وبرامج التحفيز والنجاح الماديّ الخالص التي تروّج لها المصانع والشركات والاقتصادُ بشكل عام. ف بودّ كل أسواق الأسهم العالمية أن يتكرر سعدٌ هذا بعدد نسمات سكان هذا الكوكب حتى تتضخم الأرصدةُ ويستعبد الإنسان نفسه بمحضِ إرادته، فتتشوه بذلك روحَه وتتراجعَ انسانيته فلا يكادُ يرى إلا الأرقام ولا تستهويه إلا مظاهر الأشياءِ ويزهدَ في معانيها، ويكون بذلك هو الآلة التي لا تكلّ عن الدوران مادامت تغذّى بالطاقة حيناً و بتقوية هاجس الأنانية والجشع والاستهلاك في أحيانٍ كثيرة.


كانت الحياة كريمةً معه بالحد الذي أعطته منها ثمانين عاماً من الصحة والعافية والنشاط. كان فيها كالنحلة متنقلاً بين حدائقٍ من امتيازاتٍ ونجاحات. وهو بدوره الذي استأثر به لنفسهِ، كان يتقلّب بين أزهارها ملقّحاً بعضها ببعض و مستخرجاً عسلها و مدّخراً إياه.
و في يومٍ تجري سنّته على كل أحدٍ، ولا تتوقعه النفس ولا تراهُ قريبا. هو أيضا لم يتوقع مجيئهُ بهذه السرعة رغم غزو الشيب لرأسه و وهانةِ عظامه و تأوهِ مفاصله. كان في صبيحة هذا اليوم متربعاً على عرش أحد مملكاته التي بناها بعرق الجبين، أحسّ بوعكةٍ وضيقٍ في صدره فاستأذن موظفيه وخرج يطلب راحة بدنه واسترداد عافيته بشيء من الاسترخاء. ألقى بجسده المنهك على السرير وشعر بأنها النهاية تراوده وهو عنها يتصدد ويتلفّت. التقط هاتفه واتصل على أحد موظفيه يسأله عن شأنٍ من شؤون الشركة محاولاً بذلك طرد شبح النهاية وهاجس الموت، فما أن أنهى المكالمة حتى ارتعش الجسد وضاق النَفَس وبلغ قلبه الحنجرة وهو وحيدٌ كأن لم يتزوّج ويستخلف ويورّث. واستدرك وتساءل بحرقةٍ لم تخطر بـ وعيهُ من قبل وهو بها كمن كان في غيبوبةٍ وأفاق بعد سنين طوال. استدرك بعد أن باتت النهاية أقرب من أي شيءٍ آخر وتساءل عما اذا أمهله الموتُ حتى يجتمع له أبناؤه وأحباؤه فيودعهم وداعاً لائقا ويجمع لهم حكمة الثمانين عاماً في دقائق يعِظهم بها. ثم مرّ به شريطُ حياته مروراً سريعا وثقيلاً جداً ومفعماً بالأرقام والخطط والإنجازات، وهو في هذه اللحظة كان يستجدي من ذاكرته أن تسعفه بمعانٍ أثقل في ميزان الحياة من الدينار والدرهم، وأعظم تأثيراً في الانسانية من الانجاز المادّي الباهت، وأكثر ارتباطاً بالنفس منها بالأشياء والأشخاص.

وبدى له أنه مفلسٌ و يطلبُ شيئاً لا يذكرُ أنه إتّجر به من قبل وبات جليّا أنه أتّجر بكل سلعة إلا نفسه التي بين جنبيه ومحيطه الذي يعوّل عليه. نفسه التي بدورها كانت تعاني من فقرٍ يشبه فقر الحيّ الذي جاء منه. فقرٌ من المعاني الروحية المطمئِنة وفقرٌ في سبرِ أغوار النفس ومعرفة خباياها، وفقرٌ في كونها نفسُ إنسانٍ بكل ماتحمله الإنسانية من معانٍ ظاهرةٍ وباطنة، وفقرٌ في ترتيب الاولويات والذودِ عنها من التغيّرات غير المبررة.


أما محيطه فقد تركه يدْوي من شدة الفراغ كالمبنى العارٍ من الأثاث ومن البشر. تلجّ فيه الأصوات لجيج الاحتجاج والغضب على هذا الإهمال والتفريط. محيطه الذي كان يفتقد دعمَه المعنوّي والعاطفي عند الحُزن وفي لحظات الفرَح والسرور، يعاني أشد مايعاني من فقرِ تواجده وشحَّ اهتمامه.

فما أن خلُص إلى هذه النتيجةَ حتى استجمع قواه و استنجد بحبالهِ الصوتية لتزأر له، فما كان منه إلا أن صاح صيحةَ ميّتٍ ثم فارق الحياة.


2 Replies to “صيحةُ ميّت”

  1. . والحكمة تكمن في بطون الاشياء لا في ظواهرها كما هي الحال عند من اطلق بصره وتفكر في مصائبِ من حوله.

    رائع راكان ،،،،،

    إعجاب

اترك رداً على ركايب إلغاء الرد