اطل من مكتبي هذا على المكان وأرى حديث الشفاة وتبادل التبسّام بين الموظفين. وكأني بدخولِ هذا المكتب الزجاجي قد فقدت حاسة السمع.. أرى كل شيء وكل شيء يراني.. بينما ينزع هذا الحاجز الزجاجي الشفاف عن أذني حاسّتها.. سيذهب الجميع إلى الجحيم، أنا المدير، ومالا أسمعه بأذنيّ هاتين، ستنقله إلى مسامعي أذني الثالثة "سُعاد". لم استقطبها …
يعقوب
هو أول من يستلُّ سكينه طمعا في سقوط بعيرهم، ويودّ لو أعقبهم على محارمهم فانتهكها. يحب الرذيلة وينشرها، وتستفزه الفضيلة ويحسدها. وليس للمنكر في نفسه ضميرٌ يدافعهُ، وإنما مجموع ما فيه من ضمير يدفعه نحو الأسفل دائماً. عينه ليست عين عقاب ترقب السماء وتطمح لها، بل عين خنزيرٍ لا تبرح الأرض لطبيعةٍ دنيئةٍ رضيت بها …
لذّة
لأنه يُخذل في كل عامٍ مراتٍ عديدة، حشد لهذه الأمنيةِ أحوالَ قلبه واستحضر لها كل عدّتهُ وعتاده وراحت تلهج بها جوارحه وتتردد على لسانه وهو غادٍ ورائحٌ بين مكةَ والمدينة، وبين صحنِ الطوافِ والروضةِ النبويةِ الشريفةِ، وبين المسعى ومسجدِ قباء. يتهادى بين هذه الأماكن المباركةِ ولسانهُ لا يزال رطباً من سؤالِ الله إياها.في زمنٍ مضى …
مُوظّف
يستخف بكل إنجازٍ مهنيّ يراه من حوله، وعامل الزمن لا يعنيه منه إلا الفترة ما بين توقيت دخوله وخروجه من الدوام، وكل ما وُهِب من مهاراتٍ وامكانياتٍ وفرصٍ هي عنده رهينة الانتظار وحبيسة الأدراج. آهٍ منك يا هذا الموظّف.رنين منبه الصباح يؤذي روحه أكثر من سمعهِ وينشر فيها التذمّر والملل، وينزل على نفسيته نزول المصيبة …
حُلم
الصخرُ الذي يتفتتُ ليس كمثلِ عزيمته، والهمّةُ التي لا تعانق السحابَ لا تليقُ به، والحُلم الذي لم يتحقق وكان يطلبه مسرعاً، لقيَ منه حتفه.أولدته الحياةُ ثم هي عنه تخلّت، وهي بذلك تشبه أمهُ التي بعد أن أنجبته مات عنها زوجُها فلم تطقِ الحياةَ بدون رجلٍ يكون لها مصدرَ قوةٍ وحياة، فاختارت أن تكرر التجربة وتتزوج …
عَصريّة
في يوم المرأةِ العالميّ، احتفلت بها جداريّةُ الشركةِ التي تعمل فيها بملصقٍ جميلٍ يحمل رسالةً تقول “لكِ مكانة”، ونبتَ بفضل التهاني والأمنيات المتنوعةِ على مكتبها الوردُ والحب، و تأنثت الأشياءُ ومالت و تغنّجت في صباح ذلك اليوم المؤنثِ بإجماع العالم كله.. بل وتكاد تتغنج وتتأنث وتميل نحوها كلُ الأشياءِ عندما تشرق هيَ على الشوارعِ والممراتِ …
عُكّاز
كان دوماً مضربَ مثلٍ على الأدبِ وحُسنِ الخلقِ وسماحةِ النفسِ صاحُبنا داوُود. يشبه بتمثلهِ وبخُلقهِ رمزيةَ تمثالِ الحرية بالنسبة للأمريكان المهووسين بطلب الحريّة والدفاعِ عنها حتى نصبوا لها تمثالاً والتفّوا حوله. وداوُودٌ كذلك التمثال برمزيّته لحُسن الخلقِ والأدبِ والسماحةِ بالنسبة لمحيطهِ وأغلب أبناء مجتمعهِ الذين يعرفونه عن قُرب فالتفّوا حوله وأحبّوه. هذا النحيلُ الذي لا …
صيحةُ ميّت
في حيّْ متواضع الإمكانيات وبين أناسٍ متواضعيّ الطموح وفي بيئةٍ متواضعة الفُرص، كأنّ الدنيا قد قُسّمت بين أهل ذلك الحيّ بالتساوي، حيث الكل يقبعُ في دائرة من الفقر مغلقة، نشأ سعد المُلهم.. وقد قلّده والداه هذا الإسم طمعاً منهما في أن يعيش ويسعد. وذلك كان منتهى أملهم فيه وآخر حدود سعادتهم به، لأن الطبيبَ قد …
أتصبرون؟
لطالما تململتُ من الانتظار عند إشارات المرور وفي طوابير الحياة المختلفة، طابور صعود الطائرة، وطابور الكافيتريا، وطوابير الإشارات الضوئية، وطوابير الدخول والخروج الكثيرة.. وأشد تلك الطوابير على نفسي وأكثرها قسوة، طابور الانتظار عند أقسام الطوارئ، عندما تضيق الدنيا بفسحتها ولا تستحضر نفسي وعيناي إلا هذا الانتظار الممل أمام عيادة الطبيب. وعندما أشتد عودي واستوعبت نفسي …
أسرِج خيلك
في بودكاست معنى للمتألق محمد الحاجي، تحدث مشكوراً عن الشعور بالندم عند الإنسان، تعريفه، أسبابه، وكيفية التعامل معه. ولسماع البودكاست اضغط على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=7ZNu7N_ru_c&t=1161s ما يهمنا في هذا السياق هو التقسيمة الثلاثية للنفس البشرية والتي جاءت على الشكل التالي: الذات الحقيقية: وهي شخصيتنا اليومية بـ مجموع مشاعرنا وأفكارنا وخبراتنا وقراراتنا، والتي عبّر عنها القرآن …
لِسان آدم
كان أبونا آدم عليه السلام يتحدث العربية في الجنة، وهذا بإتفاق علماء الأمة المتقدمين وعلى رأسهم ابن عباس. أما رأي ابن جني وهو عالم من أئمة الأدب والنحو، فـ مختصره أن الله علم آدم جميع اللغات والألسن من ضمن ماعلمه "وعلم آدم الأسماء كلها" (سورة البقرة).. ويعتقد أن التعددية اللسانية هي الواقع أول الأمر، وكان …
الأنترنت والأشياء
في أحد الأيام الماضية كنت في حديث شيّق مع أحد الأصدقاء واستهوتني نظرته لأزمة كورونا وجانحتها العالمية. فكان مما يعتقده سبباً لإفتعال أزمة عالمية كهذه هو تسريع عملية الإعتماد على الأنترنت، وتسريع عملية نقل المعلومات للسحابة الإلكترونية بشتى الأشكال. وهو بإعتقاده هذا ونظرته الشبة مؤامراتية مع قصوره المعرفي في مجال الأنترنت والتقنية بشكل عام، قد …
أنت عادي
المتابع لمنصات الإعلام الحديثة وحديث الشباب بشكلٍ عام يرى بوضوح الإعتقاد والرغبة السائدتين بين طبقة أفراد هذا الجيل والتي يفترض من خلالهما كل فرد على حدا أنه مميزاً، أو مختلفاً، والأهم أنه ليس عاديّاً.. هذه ليست رغبة طامحة أو إعتقادٍ مجردٍ من الأدلة بل أننا نراها معَبّراً عنها بوضوح عن طريق عادات يفتعلونها، وكلمات يتقوّلونها، …
مِنهُ وإليه
أفر منه فراري من الموت، وأقصد الشهوات والدنيا وزينتها.. "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا".. وأزهد في الباقيات الصالحات.. التي هي خيرٌ وأبقى.. وهذا الإنسان هو هو في شرق العالم وغربه.. إلا أن البعض يعرف إلى أين يفر، والبعض يفر بلا وجهةٍ، حتى يقع في حبائل الشيطان فتكون عواقب فراره أن "اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ …
خط البَيب.. رواية
الإنسان كائن فريد ويتميز بالوعي الذي من خلاله يستطيع إستحضار الماضي والتنبؤ بالمستقبل.. وبحكم كل ماضي مشرّف وكل مستقبل نعوّل عليه كثيراً كان لابد من خوض تجربة إستحضار الماضي والتنبؤ بمستقبل المواطن والوطن.. هذه رواية مستوحاة من الخيال الذي إنطلق من قبل تأسيس المملكة إلى أن تحققت رؤيتها الوطنية فيما بعد 2030.. سنعيش تجربة الأجداد …
كورونا الذي عرفت
في قرية صغيرة نشأت واشتد عودي ومن ثم تقاذفتني الأيام من على ساحلها ورمت بي بين الأماكن والأشخاص والظروف المتعددة.. واليوم أعود مجبراً لا مختاراً إلى هذه القرية لأستعيد ذكريات الأمس وماقبله.. ذكريات الملاعب الرملية والسمرات الليلية المتواضعة والخبرات والعلاقات الكثيرة التي صنعتني، والتي جعلت مني أنا أنا وجعلت منك أنت أنت.. فليس الإنسان إلا …
نفق الإستشراق
الذي يعنينا من هذا المقال هو تسليط الضوء على اللغط الحاصل حول الحياة الأدبية الحالية والتي عنيت بـ مجموع ماكتبته الأمة في شتى مجالاتها شاملةَ الدين والأدب والتاريخ والأخلاق والشعر واللغة. أي حول ثقافة الأمة إن صح التعبير. فبعد التصادم القوي الذي حصل بيننا وبين الثقافة الأوروبية منذ الحروب الصليبية التي بدأت في القرن العاشر …
الأنا والآخر
ملاحظة: اقرأ المقال بـ لسان حالك! أفتح عيني على بياض السقف الباهت كل صباح، فأبحث لها عن ألوان.. أُمسك بعنق الهاتف وأعصره ليستخرج لي من أخبار البارحة، ورسائل الأصدقاء، وجديد الساحة مايبعث في يومي ألوان مختلفة، ومشاعر جديدة.. رتابة الصباح تحتم على الهروب إلى الواقع الإفتراضي، وأن أبتسم لإبتسامة هذا، وأمتعض لهذا الخبر، وأحسد فلان، …
أنا خيرٌ منه
(قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) .. بهذه العبارة كان إبليس أول العنصريين وزعيمهم والأب الروحي لهذه المنتنة.. ومن ثم ورِثها من ورثها من أبناء آدم الذي مورست عليه أول عنصرية عرفها التاريخ والإنسان. حتى أن آدم عليه السلام كأنه آمن بفوقية إبليس، وبأفضلية النار على الطين.. فكان منه أن استمع …
عِيش اللحظة
عندما يفكر إنسان عشوائياً في موقفٍ سلبي كـ أن يشتمه شخص ما أو يظلمه، تجد جسده غالباً مايتفاعل مع هذا النمط من التفكير، وربما تزداد سخونة جوارحه ويتعرق ويظهر عليه الغضب.. وربما يشتم ذلك الشخص في عقله، وربما هاجمه في خياله وحطّم جمجمته.. ثم يرتاح مؤقتاً.. ثم يفكر في عواقب مافعل، وتصيبه الحيرة، ويفكر في …
