عشر سنين

في مقالة بديعة من كلية هارفارد للأعمال عُنونة بـ كيف تقيس حياتك؟، ذكر الكاتب في معرض الحديث عادةً استمر عليها لما يقارب العشر سنين. فلما وجد أثرها على حياته وأنها كانت تعمل عمل المقياس الدقيق لحياته، قرر مشكورًا مشاركتها مع القراء. كانت العادة هي عبارة عن ثلاثة أسئلة يخصص لها من يومه ربع ساعة مذكِّرا نفسه بأهميتها ومطالبا إياها بالعمل ضمن هذا الإطار الذي رسمته تلك الأسئلة. كانت الأسئلة كالتالي:

كيف أتأكد من أن مساري المهني يجعلني سعيدًا؟

كيف أتأكد من أن علاقتي بأهلي وزوجتي تكون مصدر سعادة؟

كيف أتأكد من أن أبقى خارج السجن؟

فالسؤال الأول يقيس مدى الرضى تجاه العمل الذي يقضي فيه صاحبنا وأغلب سكان الكوكب جُل أيامهم ويمتص بحسب نوعه وكمّيته طاقاتهم ويسعدهم حينًا فيستريحون إليه، ويغضبهم حينًا فيقلقون منه وعليه. فكانت الإجابة حسب رأيه تدور على ثلاثة عوامل هي: التعلم، والتطوّر، والتأثير في المحيط. فمادام الإنسان يتعلم شيئًا جديدًا كل يوم، ويتطور مهنيًا كل حين، ويأثر على الآخرين تأثيرًا إيجابيًا إما بالتعليم أو القدوة أو المساعدة، فهذا من شأنه أن يزيد من منسوب السعادة عنده. والمسلم المحتسب يقدّر الأجر والثواب في سعيه على نفسه وعياله، ويزداد سعادةً بلا شك.

أما السؤال الثاني فيدور حول تخصيص وقتٍ وجهدٍ لهذا الأمر. فلا يمكن بناء عائلة تشعر تجاهك بالأمان وتُشعرك بالحب والسعادة، مالم تخصص لهذا الأمر وقتا طويلا وجهدًا كبيرًا. وهذا يتطلب التفكير باستراتيجيةٍ مناسبةٍ توازن فيها بين العمل والبيت. وهذا أمر يتطلب التفكير المستمر، لا أن ترسم معالمه مرة واحدة ويحتذى بها. فالأمر هنا متعلق بالزوجة والأخوة والأطفال، وهؤلاء يكبرون ويتغيرون باستمرار، فلا بد أن يُراجع الانسان هذا السؤال كثيرًا ويتصرف بناءً على ما يراه جالبا للسعادة وطاردًا لغيرها. وقد لا يكون جلب السعادة متعلقًا بتوفير حياة رغيدة وتربية أطفال كسالى، بل الأمر يحتاج نوعًا من الحزم والجد حتى تخرج النتائج على الوجه الذي نحب. وأضاف أن خلق ثقافة معينة داخل البيت تشبه إلى حد ما خلق ثقافة في بيئة العمل. مالخطوط الحمراء؟ ومالأدوات التي تساعد على التعاون بين أفراد العائلة؟ وهكذا من الأسئلة التي تجعل الحياة في هذا البيت تختلف عن غيرها من البيوت.

والسؤال الأخير فريد من نوعه وقد أضفته إلى تلك الأشياء التي أحاول التفكير في مآلاتها كل يوم. ركز الكاتب هنا على المجازفات التي تخطف من الانسان كل شيء في لحظة واحد. كأن يخون الرجل امرأته أو تخون المرأة زوجها ويحدث أحدهما نفسه قائلا “هذه المرة فقط”، أو ان يقطع السائق الإشارة، أو أن يدخن سيجارة للمرة الأولى، أو أن يخالف قانونا صريحًا وهو يطمئن نفسه قائلا “هذه المرة فقط”.. وأظن أن هذه العبارة أو هذا العُذر سبب فشل كثير من الأمنيات الجميلة. وكثيرًا ما انهارت قوى الانسان بعد أن يتجرأ على خطّته بـ انتهاكها مدعيا أنها ستكون “هذه المرة فقط”.. كم “هذه المرة فقط” كانت في حياتك؟ بالنسبة لي، كثيرًا ما أقلعت عن التدخين وعدت بسبب “هذه المرة فقط”..

والسؤال الرابع الذي أحب اضافته للقائمة وأظنه قد خطر ببالك الآن أو منذ لحظات بحكم أنك إنسان مسلم هو، كيف أتاكد من أن علاقتي بالله سليمة ومصدرًا للسعادة؟ والإجابة في قوله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).. فما هو العمل الصالح الذي بناءً عليه وُعد المسلم بالحياة الطيبة والأجر الحسن؟

هو العمل الذي يكون خالصًا لله، ووفق الكتاب والسنة. هذان هما ركنان العمل الصالح. فيجب أن تسأل نفسك، هل كان عملي صالحًا؟ هل أخلصت فيه لله وأدّيته كما جاء في الكتاب والسنة؟

**

والآن، قد يمارس أحدنا أمرًا ما، أو عادةً جيدة لفترة قصيرة ويجد أثرها، فيخرج للملأ ويحدّثهم عنها وينصحهم بها ويدفعهم إليها دفع المحب. وقد لا يكون أمضى وقتا كافيًا مزاولا هذا الأمر حتى يخوّله للحديث عنها بكل ثقة والدعوة إليها بكل حماس. الأمور العظيمة تحتاج وقتًأ كافيًا.. ولنا في هذا كاتب هذا المقال عبرة. فقد أمضى الرجل عشر سنين يعالج هذه الاسئلة كل يوم، فلما تأكد من نفعها أذاعها على الملأ، ودعى الناس إليها، وشرح طريقته في التعامل معها، ولكلٍ طريقته الخاصة، ولكنه قدّم مشكورًا خارطة طريق وترك الباب مفتوح لمن أراد أن يمضي في طريق مختلف.

أما أنا فالذي دفعني لكتابة المقال بعيدًا عن أهمية ماجاء فيه، هو الوقت الذي استغرقه صاحبنا لكي يحدّث الناس عن أمر وجده نافعا. عشر سنين؟؟ قارن هذا الأمر مع ضيوف البودكسات الذين يمطرون أسماعنا وأبصارنا بوابل من النصائح في كل المجالات، وهم بخبرةٍ قصيرة وتجربة ناقصة على أغلب الأحوال. ربما ستخجل من تجربتك القصيرة وثقتك الكبيرة تجاه الأشياء. ربما ستقول أنه وقت طويل وأن المبالغة كانت حاضرة.. ربما ستشمّر عن ساعديك وتبدأ تجربتك الخاصة.. وربما تميل على جهازك وتفتح اليوتيوب وتغرق..

رابط المقال:

https://hbr.org/2010/07/how-will-you-measure-your-life

أضف تعليق