
المنعطفات الكبيرة في حياة الإنسان تحرّض على التغيير أو حتى البداية من جديد. فكلنا ذلك الرجل الذي مع بداية العام الجديد يخطط للعام ويضع أحلامه الكبار في دفتره الخاص بشكل قائمة من التحدّيات، ويتكرر الأمر عند بداية حياة زوجية جديدة أو مشروع عمل أو وظيفة أو حتى عقد جديد من العمر. حتى أولئك الذين يكتب لهم النجاة من مرض عُضال أو حادثة بالغة الخطورة، يتوسّعون بالوعود مع أنفسهم والآخرين في كثير من الأحيان. وكل أولئك يغلب عليهم الصدق والحماسة في تبني هذه المشروعات الصغيرة أو الكبيرة، وكلهم يريد حقيقةً تحقيق تغيير أو نجاح أو تصحيح على المستوى الشخصي أو العائلي أو المادي أو ماشابه. لا شك في ذلك. النية موجودة والعزم معقود والطاقة في أوجّها، وقليلًا ما تتحقق الأمنيات وتصبح الأحلام واقعًا. لكن لماذا؟
في قصة خروج أبينا آدم من الجنة دورس لا يحصيها العاد، ومنها موضوع الفشل الذي سنفرد له الليلة صفحةً من صفحات كتاب العمر، عسى أن ينفع الله بها كاتبها وقارئها وناقلها.
القصة الشهيرة تذكر بأن إبليس حرّض آدم ووعده بالخلود بمجرد الأكل من الشجرة، أي قال له بملء فمه وقاسمه: أي أقسم له بالله العظيم، وربما هذا سبب تصديق آدم له، وهو الذي لم يعهد أحدًا يكذب على الله، قال له: كُل يا آدم من الشجرة وستخلُد.
كان آدم يحلم بالخلود، وهو حلم يشبه تلك الأحلام التي تراودني وتراودك. ثراء ووجاهة، منصب كبير، قصر أكبر، سيارة أفخم، طائرة خاصة، سفر بلا حدود، مال يتكاثر، بنون كثيرون، علم واسع، ابتكار وذكاء، جمال لا ينفذ، صحة لا تتبدد… الخ.
فكيف منّاه ابليس بتحقيق هذا الحُلم؟ قال له كُل من الشجرة، أي أمره بفعل أمرٍ ما، وكأنه أوحى له بأن الأمر لا يتطلب إلا أن تفعل شيئا ما. أن تقوم بعملية الأكل. أن تعتدّ بنفسك. وهنا المنزلق الكبير الذي يقع فيه كثير من الناس؛ الاعتداد بالنّفس.
آدم في تلك اللحظة لم يستعن بالله في تحقيق هذا الحُلم، بل ومضى في طريق نهاه ربه عنه أيضًا، وهذا كثيرًا ما يحدث لنا نحن أيضًا. هؤلاء الذين يتخذون الربا وسيلة للثراء مثلا، أو التبرّج وسيلة للزواج، أو الكذب والغش وسيلة للكسب، وهكذا دواليك.
ولكن حتى أولئك الذين لم يسلكوا سُبلا محرّمة أو مشبوهة، ماذا عنهم إذا غاب عن سلم الأولويات مسألة الإستعانة؟ حتى لو كان الأمر من أمور الدين على سبيل المثال. أن يكون الهدف حفظ القرآن أو الحفاظ على الصلاة في الجماعة أو طلب العلم، هل يُطلب هذا الأمر بالتخطيط والتنفيذ وحدهما؟ هذا ما يحدث في أحيان كثيرة وهذا ما ينتهي بهذه الأحلام الجميلة للفشل.
في صباحات أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة، يجلس فلان من الناس ويكتب خطة العام. يضع تفاصيلها بحسب اهتمامه بالتفاصيل. يكتب الأمور المهمة والخطوات الأساسية التي ستبلّغه مرامه وستنوّله أهدافه إن هو لم يحد عنها كما يزعم. ونسى أو تناسى الحقيقة الكونيّة في أن الأمر كله لله وبيد الله وأن العبد ليس له من الأمر شيء.
**
لنفترض أن فلانًا هذا الذي وضع خطةً في بداية العام قد تعهّد فيها بالنهوض باكرًا مع شروق الشمس. ولنفترض أن فلانًا هذا مسلمًا وأضفى على هذا الهدف صبغة إيمانية وعاهد نفسه على النهوض مع صلاة الفجر. جميل؟ جميل جدًا.
وضع الهدف وعاهد نفسه عليه، ثم حدد ملامح الخطة وهي كالتالي: ضبط المنبه على ساعةٍ محددة وتكراره على مدار العام، وضع تنبيه على الهاتف الذكي لتذكيره بموعد ذهابه للسرير، ثم أخلد إلى سريره باكرًا في تلك الليلة. استيقظ نشيطًا ومتحفّزًا وصلّى خلف الإمام في الاسابيع الأولى. ثم في الأسابيع التالية أصبح النهوض أصعب حتى بالكاد يصلي مع الإمام. ساعات النوم صارت أقل والجسد لم يزل يعالج هذه الشح في النوم، والكسل راح يبسط نفوذه على شريحةٍ واسعةٍ من جوارحه. وامتدت المعاناة وطالت. حتى صار يطالب المنبه بغفوات متكررة. مرة ومرتين وثلاث حتى تشرق الشمس ويقترب موعد العمل فينهض مسرعًا ويغسل عن وجهه عار الأمس وخيبته، ويصلي فجره على عجل ويمضي يمارس يومه كما كان قبل عدة أسابيع. عالج أول الأمر تأنيبًا حادا ومتكررًا يمليه عليه ضميره، ثم راح ذلك الصوت يخف في حدته ويقلّ في تكراره حتى اختفى تماما من المشهد.
يا ترى أين المشكلة؟ الهدف نبيل، بل أن فلانًا هذا حين يتذكر تلك الأيام التي استيقظ بها باكرًا كانت من أجمل أيام عمره وأكثرها انجازاً وشعورًا بالحياة. ما أجمل من أن تشهد الصباح وهو يتفتّق أو كما وصفه القرآن يتنفّس. ما أجمل من أن تمتلك آلة الزمن، أن تستيقظ قبل حركة الشارع وعوادم السيارات وضجيج الأشياء. أن ترى يومك من أوله وتخطط له من بدايته وتمسك بزمامه لأنك لست على عجلة من أمرك.
ولنفترض أن فلانا آخرًا وضع هدفًا لخسارة وزنه بالتقليل من الأكل غير الصحي وممارسة الرياضة خمس مرات في الأسبوع. جميل؟ جميل جدًا.
سجل في عضوية مع جهةٍ توفّر أكلًا صحيّا يصل حتى باب البيت في كل صباح. يأخذ منه حصّته الصباحية وهو في المنزل، ثم يحمل وجبة الغداء معه إلى العمل، ومن ثم يتناول وجبة العشاء التي تركها في الثلاجة ريثما يعود.
اشترى ملابس رياضية والتحق بالنادي الرياضي القريب من منزله. استمر هذا حاله فترةً من الزمن، وقد بدأ يخسر وزنًا ويخفّ وينشط، ثم بعد فترة من الزمن راح يكسر الروتين الباهت هذا بكبسةٍ هنا وبرقرٍ هناك ومشروبٍ غازي حيث لا أحد يراه. لا أحد يكترث لكنه لا يحب بعد أن أبدى للناس جدّيته في خسارة الوزن أن يُرى متهاونًا بهذا الأمر ومخالفا لقوانينه التي وضعها لنفسه. ثم بعد فترة ليست ببعيدة راح يُباعد بين تلك الأيام التي يحرّك فيها عضلاته داخل النادي وصار يكسل عن تبديل ملابسه وتدوير المحرّك والذهاب والعودة من والى النادي. وما يتطلبه هذا الامر من الاغتسال وتبديل الملابس وإضاعة الوقت حسب رأيه. ثم ماهي إلا أسابيع حتى عاد صاحبنا كما كان. يضرب بالخمس ولا يحرّك من عضلاته الا التي تعينه على المشي من وإلى السيارة، وتلك التي تعينه على مضغ المأكولات وتحريك مقود السيارة.
يا ترى أين المشكلة؟ هل هي الإرادة؟ أم الخطّة؟ أم ماذا؟ مع أن صاحبنا حين يتذكر تلك الأيام يحنّ إليها ويتمنى لو عادت وعاد معها النشاط والعافية. كان لا يحس بثقل بدنه، ولا بسماكته كبده، ولا بالشحم الذي يتكدس على جنبيه. كان يشعر أنه أخف.. أخف بكثير مما هو عليه الآن.
ضربنا هاهنا مثالين على الأهداف التي تفشل وأصحابها قد لمسوا أثرها ووضعوا الخطة وأعدوا العدّة ولكن لم يكتب لهم الاستمرارية والنجاح، لماذا يا ترى؟ سيقول القارئ بداهةً؛ بسبب فقدان العزيمة والإرادة. ولكن ما هذه العزيمة وما تلك الإرادة؟ مالذي يبعثها ويقويّها؟ من يعطيها ويسلبها؟ كيف تأتي وكيف تذهب؟
هنا نعود كما تقول العرب إلى مربط الفرس. فحوى الحكاية ومدار الأمر، إلى السر خلف الفشل المتكرر والنجاحات العظيمة. السر في فشل فلان وتفوق فلان. السر واحد والتعاطي معه مختلف.
فهذا الذي كُتب له التوفيق قد أعانه الله ووفقه. إذن فماذا كان يجب على الآخر أن يفعل؟ كان يجب ألا يتّكل على نفسه بالكليّة وألا يعوّل عليها تماما، كان يجب عليه أن يطلب المدد من السماء، من الذي يهب العزيمة ويخلق الإرادة ويقول للشيء كن فيكون.
والاستعانة تطلب لأهميتها سبعة عشر مرة في اليوم الواحد من كل مسلم يصلي الصلوات الخمس. (إياك نعبد وإياك نستعين). فهذه الآية من سورة الفاتحة إعلان من العبد في كل صلاة بأنه يعبد الله وحده ويستعين بالله وحده على هذه العبادة. والعبادة هي أعظم شؤون الإنسان ولأجلها خُلق، فمن باب أولى أن يستعين على شؤونه الأخرى بالله. والأمثلة كثيرة على امتثال الصحابة الكرام لهذا الأمر حتى أن أحدهم يستعين بالله على ملح الطعام ويطلبه منه، وعلى شسع النعل وعلى أحقر الأشياء التي لا تخطر ببال أحدنا اليوم.
كل شيء تريد تحقيقه، استعن بالله عليه ولا تعجز. فعّل الاستعانة وسترى العجب في حياتك. ومن ذلك قول لا حول ولا قوة إلا الله، وكذلك الدعاء بـ يا حي يا قيوم برحمتك استغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني لنفسي “طرفة عين”.
جاء عن النبي صل الله عليه وسلم تعليمه ابن عباس حيث قال: “يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألك فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن الله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف”.
والذي نريده هُنا قوله عليه السلام “وإذا استعنت فاستعن بالله“. المراد أن الإنسان ولابد مستعين بـ شيء. إما بـ خطة وإما بـ آلة وإما بـ إنسان آخر، فإن كانت هذه الاستعانة شيء لابد منه، فاستعن بمن يملك الإعانة والنصر، بل وحث عليه السلام على حصر الاستعانة به سبحانه، أي لا تستعن إلا به.
قال الشاعر:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى.. فأول ما يجني عليه اجتهادهُ
**
قد يقول قائل هنالك من الكفار من لا يعرف الله، ولديه العزيمة والإرادة وقد استغنى بهما وبالتخطيط الجيد عن الاستعانة التي تحدثنا عنها الآن. وقد يصدق هذا الكلام على المسلمين أيضا الذين خططوا جيدًا ووصلوا لأهدافهم وهم مسرفون على أنفسهم: أي أنهم ليسوا مسلمين صالحين، بل أنهم تعاطوا مع قوانين الكون المادية بالتخطيط الجيد وكتب لهم النجاح. وهذا صحيح ولا جدال فيه.
قد يعطي الله غير المسلمِ والمسلم المسرف العزيمة والإرادة والرزق وأشياء كثيرة من دون أن يدعو الله بها ويستعين به عليها، ولله في خلقه شؤون. ولكني أحدثك أنت يامن تؤمن بالله وباليوم الآخر، وتريد أن يتحقق لك صلاح الدارين، الدنيا والآخرة.
الدنيا كما جاء في الأثر، لا تزن عند الله جناح بعوضة، فهو يعطيها للبر والفاجر والمؤمن والكافر، فهي ليست المقياس. وفي الدنيا أيضا نواميس وقوانين، من التمسها وسار عليها، وصل. لكن أنت يامن حاولت ولم تستطع، خارت قواك، ولم تجد لنفسك عزمًا، أكاد أجزم أن في الاستعانة الحل والسر والمخرج. جرب ولن تُعدم خيرًا.
