كلام..

تساءل أحدهم عن مغزى الصمت قائلًا: “الحروف لا تُورّث، لمن تدّخر كل هذا الكلام!!”..

وأنا من أولئك الذين لا يجري بلسانهم الحديث جريانًا متصلًا إلا في مواضع قليلة، وهذا التساؤل لصدقهِ ووضوحه جعلني أراجع علاقتي مع الكلام، وبالأخص مع بنات حوّاء. المرأة تحب الحديث وتطرب له، وتبتكر لتفتّق الحديث على لسانها طرقًا عدة وربما سلكت مسالكا ملتوية لتتفكّه بالكلام وتسعد بطول الحديث وترداده. هنّ هكذا بنات حواء، أما أبناء آدم فلهم في هذا الباب منهجًا مغايرًا من حيث الجملة. وقد توجد امرأة قليلة الكلام، وقد يوجد رجل يكثر منه، ولكنهما من حيث الجملة كما ذكرنا آنفا. أحدهما مسرف فيه والآخر مقتصد.

عودًا على الحروف التي لا تورّث والكلام الذي يدّخره صاحبه لا لشيء، إلا ليستر نفسه أو لانتفاء الفائدة من الحديث أصلاً. فالرجل لا يدّخر حروفه بخلا بها، بل لأنه يخشى الحديث، أو لأنه يظنّ الحديث حتى وإن طال وتشعّب، لا فائدة فيه ولا نفع معه. وهذا يصدق غالبًا بين الأزواج والعُشّاق، حيث يسلّم الرجل أمره للصمت لأن الكلام لم يفد، ولأن العبارة لا تصل، ولأن الفائدة لا تتم بالحديث، بل بطرق أخرى. فمنهم من ينتهج منهج العصبية والعدوان، ومنهم من يعاقب الآخر بالصمت.

فهذا الذي يتساءل، لا أظنه رجلا، بل هي من النسوةِ اللاتي عوقبن بالصمت. وهو تساؤل منطقي من حيث الأساس، فلماذا يدّخر أحدهم شيئًا لا يورّث ولا قيمة له إلا حين يستعمل؟

فما فائدة الحروف إذا لم نعبُر على جسرٍ منها إلى الآخر؟ تظل الحروف رموزًا لا معنى لها بعيدًا عن الجملة المفيدة التي ينطق بها أحدنا ليطلب شيئا أو يستسفر عن شيئٍ أو يخبر بشيء.

والكلام كما اتفق على تعريفه النحويّون: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع. فهو مجموعة ألفاظ مترابطة وتؤدي معنًا واضحًا. فليس للفظة الواحدة معنى الكلام إلا في حالات خاصة. والحرف من باب أولى لا يؤدِ معنى بنفسه إلا أن يمد له العون حرفٌ آخر أو تتفق حروف عدّة على الاتصال والعمل معًا لتأديةِ معنى محددًا.

هذا التساؤل، جاء بديهيًا ويفترض وجود كلامٍ ما، امتنع الآخر عن بذلهِ والجودِ به، والموقف يتطلب كلامًا. أي أن الكلام كان يجب أن يمتد بين الاثنين لأن له ما يبرره، بل هو ضروري في هذه الحالة لأنه ربما أبان عن شيءٍ انشغل الآخر بالاستبانة عنه. ولكن الأول آثر الصمت، بل عاقب بالصمت.

وبالنظر إلى الادخار، فهل يدخر الانسان ليورّث مدخراته؟ أم أنه يظن بها على نفسه في ساعة ما ويعتقد أنه سينفقها في قادم الأيام؟ أظن أن الانسان يدخر ليس لأنه يريد توريث مدخراته، بل لينفقها حين الحاجة إليها، ويغلب أن تمتد يد القدر بأسرع مما يظن، فتؤول تلك المدخرات لأهله وذويه. إذن هل كان يدخر صاحبنا الحروف لمجرد الادخار؟ أم أنه آثر الاتيان بها في موقف آخر يستحق كما هو الحال مع المال؟

يقول بشار بن برد:

وعيُّ الفِعالِ كعيُّ المقال.. وفي الصمتِ عيٌّ كعيَّ الكلِم

والعيّ هنا بمعنى العجز. فيكون البيت بمعنى العجز عن الفعلِ كالعجز عن القول، وفي الصمت عجز يشبه العجز عن الكلام. أي أن أحدهم قد يعجز عن التزام الصمت كعجز الانسان عن الإتيان بما يفيد في موقف كان لا بد أن يسعِفه عقله ولسانه. وكانت العرب تعد هذا الأمر خرقاً في رجولة الرجل، أي العجز عن الكلام في الموقف الصعب. لكن ماذا عن العجز عن الصمت حين يُحتاج إليه؟

الصمت أحيانا أبلغ من الكلام، وهو قسيم الكلام في التعريف البلاغي، إذ ذكر ابن المقفع أن تعريف البلاغة هو “اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت”. ولكن الصمت فيه إعياء وإشكال إذا جاء في غير موضعهِ، وهو بذلك كـ الكلام. يقول الشاعر:

تسلم بالسكوت من العيوبِ

فكان السكت أجلب للعيوب

و أبلغ منه قول بشار الذي ذكرناه آنفا.. “وفي الصمت عيّ كعيّ الكلِم”.

فهل كان سكوت صاحبنا عجزًا يُلام عليه؟ أم بلاغةً يثنى عليه بها؟..

لا علينا.. لعلنا نختم بما ذكرته المحاضرة في اللغة العربية: شروق الثميري في جريدة الجزيرة:

“وخلاصة القول: ليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله، ولكن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت؛ إذ نفع الصمت في الغالب لا يتجاوز صاحبه، ونفع الكلام يعمّ ويخصّ، والرواة لم يرووا سكوت الصامتين كما رووا كلام الناطقين. فمواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة. وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلدت نفسه. «واللسان إذا أكثرت تحريكه رقّ ولان، وإذا أقللت تقليبه جسأ وغلظ». فأي جارحة تمنع الحركة يصيبها التعقد على حسب ذلك المنع؛ لذا قالوا: (لا يفضض الله فاك)”.

أضف تعليق