
استيقظ على رنين هاتفه تنناني تنناني تننانينااااي.. هلا أبو غازي
“هلا أبو مفلح، شلونك طيب”
تمام، قالها متثاقلا، استرق نظرةً الى الساعة، يبدو انها كانت قيلولةً أطول من المعتاد.
“أبيك تستلم عني بكرة، انا رايح حفر الباطن”
أبشر بس عسى ماشر؟
“أم غازي على وجه ولادة، اذا جاء ولد اسميه يمكن عليك” ضحك بسخرية
لا تسميه عليّ مطفر حتى ماعندي حق السّماوة. بدا جادا وهو يقولها.. وتذكر “عانية” زواج قريبه الذي سيلتهم راتب الشهر القادم، اصابته كآبه..
بس الله يقومها بالسلامة. ابد لا تشيل هم. أغلق الهاتف رمى به على طرف السرير.
تعوذ من ابليس، تمطط حتى كادت تلامس يديه سقف الغرفة، يسمع صوت أطفاله في الصالة وهم في صراع على ريموت التلفزيون، يتخلل ذلك صوت زوجته كالعادة تتحدث مع أخواتها على الهاتف. تنهد، استند، مدّ قدميه حتى وضعهما على السراميك البارد، وشعر بطبقة ترابية تغطيه. اصدرت قدماه خشخشة لحظة لامست سطح الأرض..
“شكله جانا عج” قال في نفسه.
باطن قدميه لا يشعر بارتياح على السراميك. اعتاد هو المشي على الرمضاء بلا تذمر. ولكن أم مفلح أصرت أن تجعل من أرضيات بيتهم سيراميكية. تدعي أنه أكثر نظافةً من السُجاد، وغسله لا يتطلب مجهوداً كبيراً. وهي محقّة بالنظر إلى كميات التراب التي تخترق بيتهم الشعبي الذي يقف وحيداً في طرف القرية. يشعر الناظر إليه من بعيدٍ أنه رجل بلا قبيلة. والرجل بلا قبيلة في مجتمع قبلي، يشبه الرجل بلا شنب في مجتمع قبلي، لا قيمة له، بل لا يعد رجلاً من الأساس.
توضأ ووضع شماغه على رأسه وثبّت العقال، لم ينظر في المرآة، يعرف كيف يبدو مظهره، جيّد وبالنسبة له الجيّد كافيا. انطلق الى المسجد. الإمام عجِل، حدّث بها نفسه وهو يمشي باستعجال والحصا يتطاير من تحت نعليه، لم يكن الطريق مسفلتا إلى المسجد. الأسفلت في القرية لا يوضع إلا للأهمية القصوى.
دخل المسجد لم يكن الإمام قد جاء بعد. مشى ورأى خطى من سبقوه على الفرشة المليئة بالغبار. الصف الأول نظيف، بقية المسجد ليس كذلك. القى نظرة بانورامية على المتواجدين، نفس “الشمغ” عرفهم من هيئاتهم. نفس العمالة وكبار السن، لا وجود للشباب. وقف في الصف الأول. صوت المكيف يرتج له المكان.. يشعر ان الارض من تحته تهتز. هم أن يركع تحية المسجد على عجالة، فقام المؤذن الهندي وأعلن إقامة الصلاة ثم همّ أن يتقدم لها. أمسكه أحد كبار السن من يده وقال له بلسان الموصي المودّع، “اقرأ الفلق والاخلاص، ركبنا توجعنا ولا نقدر نجاريك”، هز رأسه ثم أقام الصلاة.
“اليوم شفت جيب أبيض في الديرة، ماعرفت راعيه”.
استفسر أحدهم في مجلس القهوة عند أبو طالب بين المغرب والعشاء.
“أكيد أنه ولد التاجر جايب سيارة جديدة يسوّق لها”
“لا ما أظن. ما يشبه لعيال التاجر، سنحته من بعيد الرجال ابيضاني وله لحية”
“يمكن طرقي” قال أبو مفلح. والطرقي هذا الذي يسمى في الفصحى بـ“عابر سبيل”. قد يكون اقتباسا من الطريق أو من تفرّق الطرق به. لا يهم، المهم أنه لم يكن طرقيّاً.
كثرت التنبؤات حول هذا الغريب الذي اقتحم الديرة، وخرج التساؤل من محيط المجلس وانتشر في أرجاء الديرة عبر الرسائل والاتصالات، من يعرف صاحب الجيب الأبيض!
أبو مفلح يتكئ على المركا ويشرب الشاي وسعيدٌ بشدة حرص أهل الديرة على ديرتهم، ويظن أكثر من أي وقت مضى بأن الديرة في أيدٍ أمينة. لم ينفض المجلس حتى عرفوا صاحب الجيب، وهدأت النفوس واطمأنت. لقد نزل ضيفا عند الأمير، وسيقيم له مأدبة الليلة.
**
استل عوداً وراح يحشره بين أضراسه وثناياه، استشعر طعم الدم في لثته بعد أن أطال عملية البحث عن بقايا اللحم بين أسنانه. أخرج العود ورماه على الأرض بينما كان العامل يضع بيالة الشاي أمامه. يتناصف هو وصديق الطفولة “المركى”. المجلس مليئ بالرجال والأعيان، كلهم جاؤوا لمعرفة خبر هذا الغريب. غريب جداً أن يوجد غريب بين هؤلاء. قال لصاحبه: “تذكر يوم جيت أطلبك يد السوني، وقلت أمي حالفة أربعين يوم تصومهن أنها ماتطلع من البيت”،
“إيه وترى أمي ما حلفت بس كنت أصرّفك”..
والله إني داري، لكن هل الحلف هذا حلف بغير الله مثل ما يقول الغريب؟
والله مدري ياخوك بس أمي عندها هذا أعظم يمين، وياويلك إذا حلفت أربعين يوم..
أثيرت في عقل أبو مفلح تساؤلات بدائية، بعد أن تكرر على مسامع الغريب قولهم “على الطلاق تعشى عندي”، وبعد أن خطبهم الغريب خطبةً عصماء حذّرهم من الحلف فيها بغير الله..
أيها المسلمون، إن من الشرك الحلف بغير الله، ولله أن يحلف بما شاء، أما عباده فلا يجوز لهم إلا الحلف بالله وحده، وهذا منكر، والمسلم مأمور بتغيير المنكر بيده ولسانه وقلبه، وجزيتم خيراً. الأمير ما قصّر، وعزيمته تكفي عن الجميع، وبيض الله وجيهكم: بهذا اختتم الغريب كلامه.
ساد الصمت، وزاد الالتفات، وأثارت كلماته التساؤلات.
قال أبو مفلح يخاطب صاحبه: إلا هالغريب ليش كلامه ممطوط.. أحسه يمط الحروف أكثر من اللازم، هو سعودي؟
“يادلخ هذا كلام أهل الشرقية، أنت وش عرفك؟ لا حد يسمعك وتفضحنا”
صمت قليلا وعاود التفكير في المسألة، لماذا يتحدث بطريقة تختلف عنهم، أو بالأحرى لماذا لا نتحدث نحن بنفس لسانه. ألسنا كلنا سعوديّين؟.
همس لصاحبه وهو يهمّ بالخروج: “آه ياليت الملك يدري بس، كان وحّد اللهجات”
“ياشيخ أنت حمااااااار”..
**
ارتاح ضمير الديرة بعد اتضاح هوية الغريب. تبيّن أنه مدير جديد ابتعثته وزارة التعليم لإدارة مدرسة الديرة والتي تعج بالأجانب من المعلمين. ظلت المدرسة بلا مدير يتصرف بشؤونها فترة من الزمن، وكان أحد المعلمين القدامى يتكفل بإدارتها بشكل مؤقت. حتى اضطرت الوزراة لارسال مدير متخصص للنظر في شؤون المدرسة وطلابها حيث كثرت في الآونة الأخيرة الشكاوى من المعلمين على الطلاب وأولياء أمورهم.
دخل في أحد المرات رجلا حاملا سلاحه: وين المدرس فلان؟ ولدي يرسب وولد فلان ينجح؟ والله لأثوّر فيه.
فُض النزاع ونجح ولده بقوة السلاح. أبو مفلح وقف على الحادثة، لقرب بيته من المدرسة ولأنه من منسوبي الشرطة. لم يكن على رأس العمل حينها، لكنه ولحسن الحظ اخترق الصفوف وهدأ من روع الرجل “احلم يابو شارع”.. الوضع ما يستاهل، وولدك بينجح وامسحها في وجهي هالمرة”.. لا يستخدم الوجه كممسحة الا حين يستعصي الأمر على الغفران، حينها يتدخل الوجه ويكون بمثابة رد الاعتبار. أن تمسح ذنبا في وجه رجلٍ آخر، أي أن تنتقل تبعات هذا العار إلى وجه رجل آخر.
**
استقبل زوجته بابتسامة صباحٍ رائحتها لا تخفى على أحد. خصوصا عندما يتعذر استخدام المعجون والفرشاة. كانا مضطجعان على السرير اقترب منها ليقبّلها، تأففت وتراجعت.. ظنّ أنها لا تحب منظر أسنانه.
تتوقعين لو أسوي تقويم يضبط على أسناني؟ قالها بعد أن تراجع قليلا.
ارسلت عينيها في أسنانه وأحسّت بلوعةٍ تشبه لوعة الحامل. شيئاً ما يريد أن يخرج من فمها. فأوكلت لسانها بالمهمة:
“كثرانه فلوسك هااه؟ نسيت عانية عرس ولد عمك، عطني فلوس أبي أشتري ثوب جديد وخل عني أسنانك”
يابنت الحلال أنا قلت “لو”.. ما قلت أبي أسوي تقويم الحين.
“الزبدة لا عاد تقول شيء مانت قده”.. انقلبت على جانبها الأيسر، اهتز السرير واهتزت التسريحة واهتز المكان. ظل ينظر إلى ظهرها مليّا.. كيف يمكن أن يكون هذا ظهر امرأة واحدة فقط.. ياله من عرض.. وتخيل لو قسمها إلى نصفين وحظي بزوجتين بمقاسين متساويين. لا يجب أن تستأثر هذه المخلوقة بكل هذه العرض، هذا أكثر من احتياج امرأة واحدة.. وأكثر من احتياجه هو أيضا.
ارتسمت ابتسامة رضى على وجهه، انتقم منها ولو في خاطره.. تذكر عانية الزواج، وأصابه دوّار.. كيف له أن يخرج من هذا المأزق، حتى لو غاب عن الزواج سيكون عليه أن يعتذر عن الغياب ثم لن تسقط عنه العانيّة. أين سيختفي؟ الديرة كلها عيون والسماء في الديرة كأنها عين كبيرة تراقب الجميع من الأعلى. لا شيء يمكن أن يفلت من أعينهم.
انسحب إلى ذاكرته وراح يقلب فيها أهم مغامراته وأخطرها على الإطلاق وذلك حين التحق بدورة عسكرية ليتخرج منها شرطياً معتبراً كما هو حاله الآن. استذكر حين كان يطلق بصره فلا يرجع عليه بشيء. فإما أن يصطدم بأحد الجدران الضخمة التي كانت تملؤ المدينة، وإما أن يسقط نظره على الأشياء ولا يستطيع تفسيرها، أو معرفتها، أو حتى لأي شيء هي هنا أو هناك. في الديرة، كل شيء يقع تحت مجهره يستطيع معرفة تفاصيله، ولماذا هو هكذا ومن فعل به كذا وكذا.. لا يستطيع أن يستريح على فراشه قبل أن تُفسر له الأشياء.
المدينة لا يملك فيها امتيازا مشابها، عاشت فيها عينه دور المرآة، ترى الأشياء من دون أن تعيها.
تمدد قليلا على الفراش، أتاه صوت شخيرها ممزوجاً بصوت مكيف الغرفة. كلاهما عالم من الأصوات المزعجة. حرّكها قليلا، لم تستجب.. يبدو أنها لا تريد مضاجعته الليلة. استسلم لامتناعها ونام.
