كُرسي

صوت الجرس يُنذر الضيوف الجُدد، وبالمقابل تطبطب عليهم أصوات الآباء وأيديهم. يقتاد كل أبٍ ابنه في أول يوم دراسي إلى حيث الفصول الدراسية ويهمس له بين الفينة والفينة: يا بطل، يا قوي، ياولدي. والأطفال بين مصدّق ومكذّب، أحدهم مُرسل دمع عينه والآخر يحبسه على مضض. والبُكاء معدٍ فما أن يجهر به أحدهم حتى تتعالى الصيحات وتتهامر الدمعات.

أنا أقف هنا في صدر غرفة الدراسة بخبرةٍ عريضة شفعت لي بتوسّط المكان. أنا هنا بين الكراسي كـ المسنّ الذي مالت عليه التجربة وهذّبته، فاهتدى الآخرون برأيه وعظّموه ثم أجلسوه في الصدر. ولو أن الكراسيَ تلبس البشوت، لرأيت بشته مسندلاً على كتفيه.

كنت أقف بوقارٍ في المنتصف وانتظر. سيستلمني اليوم أحد هولاء الأطفال وسأشعر كما أشعر دائما برعشة التجربة الأولى ومخاوفها. كلنا نهاب التجربة الأولى وتسهر عين أحدنا ليلتها جزعةً أو طامعة. أما عبيد فأظن عينه ظلّت جزعةً مساء البارحة.

جاء أبو عبيد يقتاد ابنه واجلسه هنا. لا أدري لما وقع اختياره علي. ربما لمح في أطرافي المتهدلةَ حنان الجد والجدة وربما خشيَ على ابنه من ضعف نفسهِ وتلككها ورغبتها في الفِرار. اختار له المنتصف ليحميه من فكرة الهروب.. أجلَس ابنه ثم وقف هناك يراقبه وتارةً يبتسم له ويلوّح بيده الضخمة، وعبيد بخفّة الطير لا يستقر به جسده فوق ظهري. يهمّ بالنهوض ومغادرة المكان ويخشى ازدراء أبيه والصبيان. وددت أن أرقّ له أكثر من المعتاد أو أن أضع سجادةً أو اسفنجةً بين ظهري القاسي وعظمهِ الطريّ حتى يطمئن إليّ.

لا يملك الخيار والا طار من الباب عائداً إلى الدار.. هكذا بعض البدايات.. ذعر مسيطر ثم ألفةٌ ثم اعتياد. لن تملك يا عبيد بعد اليوم إلا أن ترافقني حتى نهاية العام وسأكون شاهداً على تسرّب بولك من بين قدميك حين تفزعك الخطُوب، وسأكتم ذلك عنك ولكن من لي بحيلة في هؤلاء المعلّمين السذّج حين يستبيحون الأستار ويجعلون من الصغار مادة ضحكِهم وسبباً في سخرية بعضهم من بعض.

لا عليك يا صغيري، كلهم قد تسللت أبوالهم في يومٍ ما، سواء شهد عليهم شاهد أم لم يشهد.

سأظل ملاصقا لجسدك الصغير وأشعر بخفّته قبيل جرس الحصة الأخيرة، وسأشعر بالنعاس يهبط عليك فترتخي أطرافك ويثقل جسدك، وسأشعر بنشاطك صباحاً وبامتلاء معدتك بعد الفُسحة. وسأضطر لاغلاق المسامات بيني وبينك بعد عودتك من حصة الرياضة؛ فلا رائحةً تُحمد ولا أطمع الا بأن تفارقني ذلك اليوم وتعود من الغد نظيفاً كما اعتدتك وتجدني نظيفاً كما تركتني وكما عهدتني.

أحن لك و لا تبالي بي واهتم لأمرك ولا تهتم لأمري ولا تنظر إلي حتى. تركلني بقدميك حين تغضب وتخطفني فجأة ملوحّا بي على أحد زملائك تمازحه، وتقذف بشطنتك بقوة في بطني كل صباح، وتأرجحني بين الجدار والطاولة حين تسأم المادة أو المعلّم. تميل بجسدك فوقي وتتركني هكذا متدليّا على رجلين. فأظل مذعوراً من مآلات السقوط التي ربما قضت علي. لا ترحم كِبر سنّي ولا تعطي منزلتي قدرها كما هي بين الآخرين.

أنا أشعر كأني صرت قطعةً من جسدك أو عضوا من أعضائك. أحن لك، وحنيني إليك صامتٌ جامد لأني لست مثلك.. فلا أملك لسانًا ولا أقدر على بيان. أنا مُسخر لك. وأجدني أفضل حالا من صديقي الباب، فلا يستطيع مد علاقة مع أحد ولا يكاد يحترمه أحد. يركله الصغار والكبار، ويمسك بتلابيبه كل أحد، فيفرد ذراعيه مرغماً ويغلقها مرغماً. أما أنا فلي ربّ واحد في كل عام. يذود عني ويحميني من تطفل الآخر وتسلله. لا يسمح لأحد باستعارتي أو حتى تحسس ظهري وملامسته. يغار عليّ غيرة الشرقي على نسائه ويذود عني ذود صاحب إبل عن إبله.

وأحيانا يحدث أن يطبع عليّ أحدهم وشماً يربطني به لأكثر من عام، ولكن عبيداً لم يكن من هذا النوع. لا تتصل به مع الجمادات علاقة. هو يرى الكراسي كراسياً فحسب ولست ملقياً باللوم عليه، لا يزال صغيرا ولم يعرف من الكراسيَ أحداً قبلي.

بل ربما جاء من طبقةٍ ثريةٍ تعرف من الكراسي لين الجانب والراحة والكسل.. أنا لست من هؤلاء، فظهري المصنوع من الخشب وقوائمي الحديدية هما كل ما أملك. بودّي لو همست له بأني وُجدت لتخرج بي من منطقة راحتك. بأن أكون مُعلمك الأول، وصديقك الأول.

علّمتك إسناد ظهرك لظهري واحترام العِلم والمعلّم، وهذا ما لا تجده عند أريكتك المريحة في صالة الجلوس، ولن تجده على سريرك الناعم وطاولة الطعام. أما الصداقة، فلم تلج بابها وتسبر أغوارها إلا حين ارتدت المدرسة وزاملت هؤلاء الأطفال الذين هم مثلُك. لم يعرفوا من الحياة قبل يومهم هذا إلا حب الوالدين ورعايتهم وحنان الأخوةِ والأخوات. ها أنت تجلس الآن ويحيط بك أصدق الأصدقاء على أكبر تقدير وأوفاهم “أصدقاء الطفولة”. فكيف بك وقد كبِرت وتنكّرت لمعروفٍ أسديته لك عن طيب خاطر. لا ضير عليك، فكم مر من هنا آخرون، وتنكّر لنا المتنكّرون. ولكن الحقيقة التي تُزعجهم وتؤرّقهم هي في احتياجهم الدائم لنا نحن معاشر الكراسي. لا يزال المعلّم والمدير، والأمير والوزير في حاجة كرسيّ يتوّج به جهدهم ويسندون إليه ظهورهم ويطلّون منه إلى العالم ويُعرفهم العالم بسببه.

كم تطاحنت عظام وتضارست أنياب على الفوزِ بـ كرسيّ ما.. كل مجهودٍ لا ينتهي به المطاف إلى كرسيّ أكبر من سابقه، لا قيمة له في عرفكم. معرفتك، شهادتك، نسبك، مكانتك، كل هذه الأشياء تظل ناقصة ما لم تتوّج بكرسيّ تتسلط به على رقاب الآخرين: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُم).

أضف تعليق