يدي تحكّني

نستخدم في العامية هذا الوصف تعبيراً عن الرغبة في الضرب، وهو وصفٌ يصدق على كل من رُزق ملَكة البيان وأعطي لوحةَ مفاتيحٍ يضرب على ظهرها بكلتا يديه. أما الأقلام فلا تحتكّ لها الأيدي في هذه الحقبة الالكترونية بامتياز.

لا يُعطى المرء قلما هذه الأيام إلا ليمضي به على عقدٍ ويؤكد بنوده. فتجده يموج بقلمه على بطن الورقات بتوقيعٍ ربما أبان عن عمق شخصيته أو سطحيّتها. عدا ذلك، لا أهمية للقلمِ ولا حاجة له.

القلم يشبه الحياة من حيث أن خط الرجعة معدوم في عُرفهما، أما لوحة المفاتيح فهي أكثر مرونةً وحريّة، و تُمد الكاتب بوسيلة الكتابة وفرصة التراجع في كل حين.

القلم جسورٌ ولوحة المفاتيح مترددة..

القلم يدينك ولوحة المفاتيح تعينك على ألا تُدان..

القلم يمنحك حريةً ومسؤوليةً لاتنفك عنها ولوحة المفاتيج تمنحك حريّة بلا مسؤولية..

القلم  يُتعرف به عليك كبصمة الأصبع ولوحة المفاتيح يُحتاج معها لقصّاص أثر حتى يُتعرف عليك…

فمع التخلي عن الأقلام راج مذهب التخلي عن المسؤولية تجاه النفس والآخر والمجتمع، وكثٌرت الآراء التي هي مجرد آراء لا معتقداتٍ يفني المرء في الدفاع عنها حياته.

أين أولئك الذين غيّرت أقلامهم مجرى التاريخ من أولئك الذين يكتبون بكل جرأة ويتخلون عن كتاباتهم عند أول اختبار..

يكتب المرء تغريدةً فإذا كثر اللغط حولها، تخلى عنها بحذفها.. أما المنشورات التي يُكتب لها الاستمرار، تبقى جامدةً ويطويها التصفّح السريع سريعاً. وهكذا تدور رحاة الآراء ولا يُحدث أيا منها تأثيراً يُذكر.. والرأي حتى وإن كان من الأهمية بمكان، يُتوقف عنده لثوانٍ ثم يُنتقل منه إلى غيره عبر تحريكةِ أصبع.

تنوية: ربما سيخالفني البعض مدعين أن القدرات التقنيّة الحديثة تستطيع تحديد هوية الشخص حتى وإن حاول جاهدا إخفاءها، ولكن هذا لا يتسنى لكل أحد، وهو يعد خرقاً لقانون الشبكة الالكترونية العام والذي يدعي ضمان الحرية والسرية لجميع مستخدمي الشبكة.

**

يدي تحكّني: عبارة تتجلى بأصدق معانيها بالنظر إلى مستخدمي الهواتف الذكيّة..

تشعر أن لهباً يندلع في يد أحدهم حين يترك هاتفه لثوانٍ قصيرة، فما يلبث حتى يطفأه بالتقاطةٍ سريعةٍ تمتد إلى دقائق وربما إلى ساعات وساعات.

في كل مرةٍ يضع الهاتف جانباً، يشعر بالفقد، وكأن عضواً من أعضائه قد بُتر.. يراقب هاتفه، ينتظر تنبيهاتٍ تبرر له معاودة النظر في شاشته، فلا تتحقق بغيته.. يعود ليمسك بهاتفه مجدداً ويدخل ويمر مرورا خفيفا على تطبيقاته، ثم يحط رحاله في مجلس “تويتر”.. الوضع في تويتر مغرٍ جداً للكتابة وقرع الحجةِ بالحجّة.

وأظن والله أعلم أن تويتر هو أكثر تطبيق ينشر مذهب “يدي تحكّني” بين الناس. ففيه من الآراء مالا عد له ولا حصر، وفيه من السذج مالا يخطر على قلب بشر، وفيه تطاول وتعدّي، وفيه الأسماء المستعارة تستترُ خلفها طبقة النبلاء وسرابيت الحارة. فكيف لا تحكّ المخالف يده ليرد؟ بل يردّ وتتضارس الأنياب بينهم والخصومة تتكرر وتشتد.

ولو أن لـ تويتر يداً تحكّه لكتب محدّثا عن مستخدميه “أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً”.

**

والسؤال الذي نختم به هو، لماذا تسلّطت اليدُ على العقل وأتمر بأمرها؟

لا أجد في نفسي إجابةً مناسبة ولربما حضرني تكرر مشهد كبار السن وهم يدعون على صغارهم بـ : “يا مال الحكّة” حين يزاحمونهم في مجالسهم وعلى موائدهم، وأخشى أن تكون دعواتهم مستجابة.

أضف تعليق