
تبسّمت له الحياة بادئ الأمر ثم في مطلع شبابهِ وحالما اشتد عوده وبان شاربه كشّرت عن أنيابٍ مسنونةٍ كأسنان الرماح. و مضت تؤرقه وتناوشه حتى إذا استحكمت قبضتها عليه وظن ألا ملجأ يؤيه ولا مخرجاً يطمئن إليه، انبلجت أساريرها، وسار فيها وادعاً مطمئناً كأنه قد نجى، فما أن اطمأن لها وسكَن حتى مالت عليه ميلةً واحدة وأردته كسيراً.
كان الذكرُ الأوحدُ بين مجموعة بنات لأبٍ قضى كُل حياته مرتحلاً في هوى إبله حتى انتهى به ترحاله في بطنِ أرض يجهلُ أهلها ونسبها. أرضٌ منبسطةٌ كأنها كف اليد، تتخالط فيها أنسابٌ عدة وهو بينهم كالغراب.
كانت هذه أرض أجداده، غيرَ أنه وُلد هو في مكان آخر لا يشبه هذا المكان. وكأن حنينه لأرضٍ احتضنت رُفات الأجداد ساقه إلى هذه الأرض واستعمره فيها. ألِفها فأمضى فيها عمراً حتى اذا انحنى ظهره وتأوّهت رُكبه، وخاف على بُنيّاته من مكر الصحراء ومن عواء ذئابها، زوّجهن جميعاً ثم مات.
ومن هنا ابتدأت قصة صاحبنا هذا الذي كان على حياة والدهِ هارباً من سطوته وشدّته. فما أن بلغ الحُلم حتى طلّق حياة البادية التي اتخذها أبوه منهجاً وراح ينشد سعةَ المدينةِ وتعدد خياراتها. هو يزعم أنه من جيلٍ مختلفٍ لا يصلح لما كان أبوه يُعدّه له. كانت تعاليم الأب لا تخرج عن حيز الصحراء التي نضجت فيها، فكانت مثلها تماما. ثابتةٌ ثبوت الوتد. بينما الحاضرة التي هرب إليها الأبن، تلبس لأهلها كل يومٍ ثوباً جديداً كأنها السماء. كان الفارق كبيراً بين الأب وابنه في كلٍ شيءٍ، وهو يشبه من جهةٍ الفارق المذهل بين الأرض والسماء. فالأرض ثابتة لا تتبدل، والسماء متقلبة لا تستقر. وكأن الأرض هي كل من تقدم به العمر، والسماء رمز للطاقة والحيويةِ والشباب.
اضطرته وفاة أبيه وغيابه عن المشهد بلا رجعةٍ أن يتصدر مجلس العائلة ويستلم بيرق المسؤولية. جمع إرث أبيه وفرّقه بين الأخوات، وأخذ نصيبه منه مجموعةً من الإبل بيضاء كأنهن وضح النهار. وكانت تلك عملة هي الأثمن في ذلك الزمان. ساق إبله ويمم تجاه قريةٍ كان قد صادق أحد امرائها خلال إقامته في المدينة. تعاهدا على أن تمتد بينهما أواصر الصداقة قدر الإمكان، وكرر الأمير وشدد على أنه مرحبٌ به في أي وقت في قريته التي استؤمر عليها.
فما أن ثبت خبر وفاة أبيه في نفسه وألِفته أذنيه وأصبح واقعاً يُعاش حتى ظنّ أن لا مقام له في المدينة، فقد ضاق فيها العيش وتجاشع التجارِ وتناطحوا وهو يرمقهم بعين البدوي المتنكّف. يزدري مهنهم ويكرم نفسه متعففا عن تجارتهم. واستقر في نفسه أن ينزل على ذلك الأمير ليتذرّى بحِماه ويستعين به على من سواه.
تزوج من بعض أقاربه فتاةً لم يتجاوز عمرها أربعة عشر عاماً. بريئةٌ لاتعرف عن الحياة إلا القليل، وفي بضع سنواتٍ صار في حياتها هو كل شيء. صار هو الأب والأخ والمعين والسند. دخل بها وعاشا فترةً في المدينة ثم مالا سويّا تجاه الشرق ناشدين قرية الأمير وفارّين من ضنك العيش في الصحراء وجشع التجار في المدينة. نزل عنده في بيتٍ من الطين وكانت بيوت تلك القرية كلها من الطين. متساوية بيوتهم حتى مع اختلاف وضعهم الاجتماعي وقدراتهم المادية. لا أحد يكترث للمظاهر بينهم، وسمات الرجل هي الفيصل في تحديد مكانته بين أفراد ذلك المجتمع.
وكان لصاحبنا سماتٍ كريمة، فقد كان جواداً وشجاعاً. وكانت له قوة ملاحظة وذاكرة نادراً ما تخطئ، وكان يحفظ تفاصيل الصحراء عن ظهر قلب. وتلك مزيّة نادرة وحسّاسة تقي المرء من غدر الصحراء وجفافها بعون الله. وكانت رحلات اهل القرية لجلب سبل العيش من المناطق المجاورة محفوفة بالمخاطر، فكان في ذاكرة صاحبنا الحل. يصطحبه الاعيان لمرافقتهم فيكون عينهم ودليلهم. أكبروه وأكبروه حتى صار بمثابة حجاجهم الأيمن الذي يهتدون به. وبسبب كثرة تردده على المدينة وكثرة ترحاله بين عواصم مختلفةٍ، تضخّم عنده حس التجارة فاستخار ثم خاض غمار الربح والخسارة وكان له منها بقالةٍ تمد الجميع بالغذاء، وعقاراتٍ، وأيدٍ عاملة تعمّر الأرض بالإضافة إلى إبله التي تكاثرت بفضل حُسن الرعاية وطيبِ الأرض. كانت السماء تجود بمائها في كل فصل من فصول الشتاء، وتلبس لهم الأرض حلةً خضراء لا يملّون من مراقبتها والاستمتاع بها.
وكان السائر هذا يسير بهدوء تجاه إبله قبيل غروب الشمس من كل يوم. يجلس يراقب ذبولها وحبيبات سبحتهِ يواسي بعضها بعضاً بين أصابعه. يجلس والهموم ضيوفه ساعةً من الزمن. ثم بقدرةِ قادرٍ تتفرق الهموم بمجرد سماعهِ صوت ابنه الهادئ وهو ينادي “يبه الشاي جاهز” أو “يبه مشينا”. فلذة كبده وأمله الأكبر في الحياة وسيفه عندما تُقرع الطبول.
يتنهّد بعد جلسةِ قضاها يائساً ويكفر عن خطاياه بترديد النظر إلى وجه هذا الغلام. يرى مشيا يشبه مشيته وابتسامةً تتمدد بحب وعينين بريئتين وغارقتين في الحاضر، لا ترهقهما هموم المستقبل البعيد ولا غموم الماضي العتيد.
رُزق من الولد الكثير ومن المال أكثر، وتمددت سمعته الطيبة حتى عرفه البعيد والقريب وأثنى عليه كلاهما. وماذا يطمع الرجل من الحياة بأكثر من ذلك؟ لقد ظنّ أنه حاز الدنيا بيمينه فاطمئن على مركاه واستراح. ولكي يضيف لحياته بُعدا جديداً يفعم حياته بالطاقة والأمل، تزوج من الثانية، وأردفها الثالثة وجاء له من كليهما أبناء وبنات.
وبينما كان يسامر جلّاسه في أحد مساءات الشتاء الطويلة، يتوسط المجلس والناس عن يمينه وشماله، يطلبون ودّه ويسعدون بابتسامته وحديثه إذ دُق ناقوس الخطر قادما من خط الهاتف الأرضي. لقد مات ابنه الهادئ!
سقطت المسبحة من يدهِ وسقط معها كل شيء جميل. كذّب الخبر بدايةً حتى وقف عليه بنفسه، وأهال على جثمان ابنه التراب. ألقى الشيطان في أمانيه الكثير حتى ظن أنه هالك لا محالة. مرت الأشهر وهو يخيّل إليه أن ابنه يدخل عليه من الباب في كل يوم أكثر من مرة. انطوى على نفسه.. وسئم جلسات السمر وحديث الناس. حتى زوجاته زهد بهن، وتفللتت من يديه حِبال التجارة ونالت من الحسرة والخسارة. لم يكترث. فأين تلك الخسائر من غياب مشهد ابنه عن ناظريه؟ وودّ لو قايض الأقدار وأعطاها كل ما يملك مقابل إعادة ابنه إلى كنفهِ.
كان شديداً عليه، فندم على شدةٍ لم تكن مبررة، وندم على مالٍ لم يبدده في سعادة غلامه، وندم على كل لحظةٍ شعر فيها بالحب ولم يصارحه بها. مالَ على كاسة الشاي فوجدها صارت باردة، ونظر إلى رأس السيجارة فإذا بها قد تآكلت وصارت إلى الرماد، أين كان عندما سُكب الشاي وأُشعلت السيجارة حتى هذه اللحظة؟ كان يفكر. أكل الغمّ قلبه ونال منه الماضي القريب وراح يستذكر حين كان يناديه ويجيبه مسرعاً، وحين كان يعتمد عليه ثم لا يقلق أبداً، والآن هو بلا إبنه البار، وبلا ولده الهادئ.
بهُتت أيامه وأشتد سواد لياليه واسودّ معه الحزن حتى صار يأكل ولا يشتهي، ويشرب ولا يستطعم، ويمشي بلا رغبة، وينام بلا راحة، وتراوده الدموع ويحبسها، خوفاً من أن يُتهم في رجولته. أما روحه فكانت تأن أنيناً لا يسمعه الا هو. مضى عام وهو بين الأحياء جسداً وبين الأموات بكل ما عدا ذلك.. روحه ميتة، رغباته ميتة، أمنياته ميتة، أمله ميّت.. لم يصمد الجسد أكثر من عام، توقّف القلب، ومات الجسد، وأُهيل عليه التراب.
أوليس يُقال “ومن الحِب ما قتل”.

نص مجوّد..ولغة عالية!
و سرد رائع لواقع يتكرر كثيراً..
بورك قلمك.
إعجابإعجاب
مُمتن لهذه الكلمات.. كل الشكر أيها الغريب!
إعجابإعجاب