فاضِلة

بلا مال ولا زوج ولا عزوة ولا سند، أضحت تجر الخطا متثاقلة كأن جبلا على ظهرها، وتتقلب على جمر من الغضى كلما وضعت على الفراش جنبها.. تفرك يداً بيد، وتخشى متاعب الغد، وتفتش عن دمعٍ يبلل الخد، فلا تجد..

كالسد وقفت بين صغارها والأذى حتى طال بهم العمر فأذاقوها من سعادات الحياة ماستطاعوا، وهي ترمقهم بعين فرِحةٍ وتدمع لهم بالأخرى.. عيناها اللتان استدار حولهما السواد، لا تزالان متلئلئتان من الداخل ولا يخفى بريقهما إلا على جاهل..

**

أختطفت الأقدار زوجها وكلاهما في ريعان الشباب، فما أن تغلغل الخبر في نفسها حتى غابت عن الوعي.. لم تُصرع، ولكن لشدة وقع الخبر عليها سقطت، ولفترةٍ كانت تعيش خارج الوعي. مشتتة ولا تدري إلى أين.. ثم لما استفاقت من تلك الفاجعةِ، تلفتت فإذا بها تحوّلت في وقتٍ قصير من ربة البيت إلى ربة البيت والولي والمعيـل. لن يُقصر دورها بعد اليوم على تحضير المائدة ونشر الدفء في أرجاء البيت. بل ستتمدد مسؤولياتها إلى خارج البيت حيث المدرسة، والمستشفى، والسوقِ، وتطول القائمة.

كيف تطيق تعدد الأدوار هذا وكيف تقوم به؟ كيف تكون هي العائل ولم تكن قبل تلك اللحظة تعرف عن المال إلا كيف تنفقه. لم تعتد رفض طلبات أبنائها بصرامةٍ كما كان يفعل الأب. كيف تمنعهم وهي تحبهم؟ كيف تصبح الشخص الذي يقف بينهم وبين مطامعهم الصغيرة بعد أن كانت هي من يسعى بكل حب لانتزاعها من جيوب أبيهم وأطراف لسانه؟ كيف تخيفهم وهم كانت لهم الحضن والملجئ؟

أهتز قلبها رهبةً من حتميةٍ كهذه وعصفت به موجاتٌ من انقباضٍ يدفعها اليأس والعجز معاً. وكيف لا يتسلل إلى فؤادها اليأس وهي الآن تعول ثلةً من شباب وبنات اجتمعت أمانيهم عليها وهي لا تملك إلا أن تتحسّر على ماضٍ تقطع عليه قلبها ثم ذاب، ومستقبلٍ يعجز عن تصوّره مآلاته ذوي العقول والألباب.. لقد حار الجميع في شأنها، حتى أن حيرةً كهذه جعلت محيطها متردداً تجاهها حتى تركها وشأنها وراح يراقب إلى ماذا سيؤول أمر هذه المرأة الثكلى وهؤلاء الصبية والبنات؟ وبينما يرسم غالبية الناس لعائلةٍ  ابتليت بوفاة معيلها في سن مبكرةٍ مستقبلاً محفوفاً بالفشل ومدفوعا بقوى الطبيعة والمنطق إلى الفقر والحاجة، لم تكن هي كذلك.

عائلتها في رأيهم تملك كل مبررات العالم للفشل، ولن يُلام فردٌ من أفرادها على ذلك. بينما هذه الأم كان لها رأيٌ آخر. استفاقت مما هي فيه ساعة انقضت أيام الحِداد، وشمّرت عن يديها وحملت على ظروفها السلاح. تسلّحت بالله وبقضائه وقدره وظنّت به خيراً، ورضت ثم حمدته على كل شيء، ورجت أن يعيضها الله خيراً مما أُخذ منها.. وراحت تدعو بذلك أول النهار وزلفا من الليل.

وتزامنا مع دعواتها المتصلةِ إلى السماء، جاءها من ذوي الحسب والمال رجلاً خاطباً. رق لمرآها حين سرت قصتها إلى مجالس الرجال وتجاذبتها ألسنتهم.. وكأنه أراد أن يخفف عنها الحمل ويعضدها برأيه وماله. أدارت عينيها متجولةً في أعين صغارها. هؤلاء الذين سيأكل قلوبهم الخوف، وستقطّع أوصالهم الوحدة، وستشتت بهم الطرق، وسينتهي بهم الحال بلا والٍ ولا والدٍ ولا والدة.. ستنقطع أسباب الحب وروابط الدم بينهم وبين الناس، وسينعتون بلا شك بالـ “مقطوعين من شجرة”..

اتجهت لمحرابها، ثم استعاذت بالله من هذا الأمر، ورجته ألا يكون هذا الأمر هو الخير الذي رجته وإجابةً لدعائها الذي دعته.. ثم ظنت بالله خيراً، وأي خيرٍ في تركِ هؤلاء الأيتام وجهاً لوجه يقاسون الحياة بمفردهم؟ واستقام في قلبها أن مواجهة الصعاب ألذ وأحب إلى قلبها من التنصّل والغياب..

وادّرجت هذه الفاضلة مع الدارجين في الحياة والآملين بمستقبلٍ أوسع من حاضرها، وحاضرٍ تقل فيه الفواجع وتشتد فيه بينها وبين صغارها الصفات الجوامع. ومضت سنة الحياة تُطوى فيها أحزانها الكبار وينبلج فيها وجه النهار، وهي تحمد الله على حُسن العاقبة وصلاح الولد.. وماضيق العيش الذي يعانون إلا كعنق الزجاجة بالنسبة لما بداخلها، فلا يخرج مافيها حتى يضيق به الطريق ابتداءً ثم ينتثر كالسيل ويتسع كظلام الليل..

لم يترك الزوج تركةً تغني أو تسمن، وإنما هو بيتٌ استقر رأيهم على بيعه ثم سُدد بماله ماعليه من دين، ثم بفضل أهل الخير وبما تبقى من المال اشترت بيتا شعبيا لمّت به أطرافها العائلة المفجوعة.. وإلا كيف تكون العائلة عائلةً وأفرادها لا يسوّرهم جدار واحد؟ هكذا كانت تفكّر، يجب أن توضع اللبنة الأولى لهذه العائلة وكانت في شراء بيتٍ يكون نقطة انطلاق جديدةٍ وملاذٍ أخير.

ثم من جديدٍ وطدت العلاقة مع جاراتها، وارسلت ابناءها للمدرسة وبناتها، وراحت تدور بدوران ساعات اليوم داخل البيت، تهندمه وتضع لمساتها المؤنثة على زواياه فيزداد بها البيت المتواضعُ لطافة وجمالا. وبالرغم من قلة الإمكانات إلا أن أصدقاء أبنائها كانوا لا يروق لهم الجلوس والمؤانسة إلا في بيتها.. كلهم ينتظر بلهفةٍ الشاي الذي تُعده والمائدة التي تمتد سفرتها فتشمل الجميع..

لم تنشغل بما اشتغل به نساء جيلها من صنع المؤكلات والملبوسات والتكسّب منها، بل صبّت جل وقتها وجهدها داخل بيتها ووزعته بين أبنائها وبناتها ظنّا منها أن هذا هو الاستثمار الحقيقي، الاستثمار في الإنسان.

ومن حُسن تدبيرها أن وزّعت مهام العائلة بعدلٍ على أفرادها. فمنهم المسؤول عن المؤونة التي تُجلب من الخارج، ومنهم المتحدث باسم العائلة حين تحتاج إلى لسان، ومنهم القدم التي تمشي بمصالح العائلة المتعثرةِ حتى تنجزها، ومنهم اليد التي تغسل وتطبخ وتنظف، وهكذا أصبحت العائلة كالجسد الواحد. هي بمنزلة العقل منها وصغارها هم الجوارح التي ترى وتسمع وتشعر وتتحرك..

ومن حكمتها أن سمحت بفضاءٍ من الحريّة لا يتسنى بوجود عقلية ديكتاتورية تملي على من دونها قراراتهم المتعلقةِ باختيار تخصصاتهم، أو أصدقائهم، أو وظائفهم، أو حتى شركائهم المستقبليين. ولكنها رغم ذلك كانت ديكتاتوريةً عندما يتعلق الأمر بتعليم الأبناء والبنات، وحرصت أن يكون نصيبهم من العلمِ والشهادات العليا وافراً. فأرسلتهم تباعاً إلى المدينة المجاورة ليتابعوا تعليمهم وتجرّعت مرارة البُعد، ثم لما سنحت الفرصة لبعضهم في الابتعاث إلى خارج الدولة، قبضت على مخاوفها بيدٍ من حديد، وكبّلت مشاعرها وسجنتها بحزمٍ حتى لا تؤثرعلى قراراتهم فيترددون أو يضعفون.. وكان لسان حالها يقول “من سلك طريقاً يلتمس به علما، سهل الله له طريقاً إلى الجنة”.. فهي تؤثرهم في فعلها هذا على نفسها بخيري الدنيا والآخرة، ولا يزيدها ذلك إلا ثباتاً.

ويعجب المرء من ثقتها بربها حين سلّمت أبناءها للمجهول وكونها أول من يفعل ذلك من آباء المحيط والأمهات.. ثم يعجب المرء أشد العجب من استيعابها لفضل العلم وأهميته وهي أميّة تعيش في قريةٍ بدائيةٍ وفي مجتمعٍ لا يستخدم أحدهم فعل القراءة إلا عند الضرورة ولا يفقه أغلبهم أهمية الحساب إلا حين يحصي دراهمه. وهذه القرية لم تكن متصلةً بالعالم عن طريق الشبكة كما هو حالها الآن، بل كانت معزولةً كلياً وكأنه قد ضُرب بينها وبين العالم بحصارٍ تقف عليه دولةً عظمى. ثم يعجب المرء من شجاعتها تجاه هذا الغياب الذي سلمت أبناءها إليه وتحمّلت تبعاته المتباينة والتي أقل مافيها انقطاع المشاهدة لسنواتٍ وسنوات وتبدل عقولهم بعيدا عنها والهيئات.. ثم لماذا هذا كله؟ الله وحده يعلم. فلم تكن تلك الدراسة مضمونة النجاح وليس ثمة وعودٍ للناجحين تضمن لهم وظائف مناسبة أو مناصب رفيعة. كل ذلك كان ضرباً في الأرض وثقةً بخالقها.

تخرج الأبناء من الجامعات والبنات، وكان النجاح حليف الجميع بتفاوت الجهد المبذول والهدف المنشود. وكثُر المال وتبدلت الأحوال، والحمدلله على كل حال.

ثم هي بعد هذا الصبر الطويل، والثقة الكبيرة، والأمل المتجدد، والعمل والمثابرة، اتكأت على مركاةِ الراحة واستراحت. ارتاحت جوارحها من العمل وآلة التفكير التي بداخل عقلها راحت تستقر وتهدأ، واطمأنت لمستقبل العائلة وحاضرها، ثم راح لسانها يلهج بالذكر، وأصابعها تدور بدوران المسبحة.

لم تبتكر هذه المرأة الفاضلة أسلوباً جديداً في التربية، ولم تخترع آلة نجاح حديثة، ولم تأتِ بما لم يأت به الأولون. لا بل الأمر الذي راهنت عليه هو ثقتها بالله ثم نذرها حياتها لصغارها بلا كلل ولا تذمر.. لقد أعطتهم من نفسها كل جهد، ومن اهتمامها كل لحظة، وغذتهم بالحنان والعاطفة والحب.. وهذا ما كان الجيل بحاجةٍ إليه فعلاً، ولا يزال.. لا يزال الأبناء والبنات يطمعون من أمهاتهم الاستئثار بالحب والعاطفة، وهم بفطرتهم ينظرون لقلوب أمهاتهم بنفس العين التي يراقبون فيها جيوب آبائهم.. ولا يمكن أن تُعكس المعادلة وتكون بذلك صحيحة.

وفي العلاقة مع اللهِ منجاةٌ على كل حال.. وختم الله لنا ولكم بخير الأعمال والأقوال..

أضف تعليق