
لطالما تململتُ من الانتظار عند إشارات المرور وفي طوابير الحياة المختلفة، طابور صعود الطائرة، وطابور الكافيتريا، وطوابير الإشارات الضوئية، وطوابير الدخول والخروج الكثيرة.. وأشد تلك الطوابير على نفسي وأكثرها قسوة، طابور الانتظار عند أقسام الطوارئ، عندما تضيق الدنيا بفسحتها ولا تستحضر نفسي وعيناي إلا هذا الانتظار الممل أمام عيادة الطبيب.
وعندما أشتد عودي واستوعبت نفسي وأدرك عقلي الحياة وماهيتها بهذا الشكل الحالي المتسارع، لم يكن للصبر محلاً في نفسي، وأنا الذي لا أراه حاضراً في تصرفات من حولي وطريقة عيشهم، ولا أراه يزيّن وجوه العابسين من قسوة الإنتظار في طوابير الحياة. وبالأخص نحن معشر الشباب في عجلةٍ من أمورنا كلها. نستعجل الأشياء الجميلة كالنجاح والوظيفة والترقية وكسب المزيد، وشراء المزيد.. نشرب من صنبور الحياة بسرعة وكأنه سيتوقف في أي لحظة ثم بشذوذٍ واضحٍ ومشاهد، ننتقل من صنبورٍ لآخر طمعاً في المزيد وخشيةً من فواتِ لذةٍ هنا أو هناك..
وللمعلومية فهذه العجلة لم تكن شراً محضا، فقد قادتني عجلتي إلى أشياء جيدة، مثل إنجاز الأمور في أقصر وقت، والمغامرة في معرفة ما أجهل في سنًّ مبكرة، وتعددت بها خبراتي التي غذّاها فيّ عامل العجلة، وأشياء كثير لا تحضر عقلي المشغول بـ نقيض السرعةِ والإستعجال. ذلك الذي أجزم أنه أهم أسباب التفوق والنجاح في الدارين، وهو الصبر..
الصبر من المفاهيم التي لم تتعلمها نفسي العجولة في صغرها، وهي الآن في أمسّ الحاجة إليه. فكلما كبرت بنا الحياة وتزايدت أعمارنا، كلما تعقدت معها الأشياء، وصعُب نيل المطالب بنفس السرعة والسهولة.. أحلامي التي كنت أحققها في أيام قد كبُرت فلم يعد بالمستطاع تحقيقها بنفس الكيفية والسرعة، ووجب أن تستغرق مني سنواتٍ طوال.. كل سنةٍ منها تسلّمني للأخرى لكي تتقاضى مني، وتكويني بنار الإنتظار..
حتى تكوّن سيرة ذاتية تضعك في أوائل المرشحين للوظائف القيادية، وحتى يكون لك عائلة تفخر بها، وبيت جميل تلفّه الأشجار من جهاتٍ كثير، وأصدقاء أوفياء، وجيران محبّين، وحتى تحقق أحلامك الكِبار ومشاريعك العظيمة، يجب أن تتحلى بالصبر. وهذا الصبر قد أُهمل وظُلم مقارنةً بمعاني أقل منه أهمية كالتركيز، والإيجابية، والأمل، وإدارة الأعمال، وإدارة المخاطر، وتطوير الذات.. كل هذه المفاهيم قد حظيت بإهتمام الباحثين بشكل كبير، إلا الصبر، فلا بواكي له.. ولا إعلام، ولا مؤثرين يتغنون بـفضله فضلا عن تعريفهِ وتحريض الناس عليه.. وهو السر الكامن وراء كل الأشياء الجميلة والإنجازات العظيمة. بل على العكس، فأغلب المؤثرين والناجحين والمشاهير يحاربون فينا صبرنا ويستحثوننا على العجلة واللحاق بسير الراكبين من خلال المادة الإعلامية التي يقدمونها، ومن خلال المنتجات الكثيرة التي يطالبوننا بالإسراع لاقتنائها..
المعاني العظيمة يجب أن تُفهم أولاً وتنزل من عقولنا منزل الشيء الواضح الذي لا يحتاج إلى مزيدٍ من التفسيرات، كأسماء الأشياء المادية المجردة التي تستحضرها عقولنا بمجرد مناداتها. كأسماء الأشياء من شجرٍ وحجرٍ وماءٍ وسماء، كل هذه الكلمات لا تحتاج لمزيد تفسير عند كل عاقل. فما أن تُذكر أسماء الأشياء المادية حتى نعرفها. أما المفاهيم المعنوية كالحرية والحب والوطنية والأمل والصبر، فهده مفاهيم تتعدد معانيها بتعدد القلوب التي تنبض بهذه المفاهيم. فالحرية عند الأفريقي تختلف عنها عند الآسيوي، وهي تتباين أيضاً بين الرجل والمرأة، والأمل كذلك والوطنية أيضاً كذلك.. ولكي تكون فكرة الحرية مفهومة ومتفق عليها يجب أن تُعرّف تعريفا دقيقاً يفهمه الجميع بدون مزيدٍ من التفسير، ولاسيما أن موضوعنا اليوم تدور رحاه حول الصبر، وجب تعريفه أولاً.
قادني الفضول للتعرف على الصبر من قلم المجرب، وبصيرة المؤمن، وكان ذلك عندما قرأت كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيّم عليه رحمة الله، فوجدت الصبر متشكلاً في صفحات هذا الكتاب وكأنه إنسان ببدنٍ وروح.. فكما يحدثنا الكاتب أن علماء الأمة اتفقوا على أن حقيقة التقوى تكون بـ فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور “القدر بخيره وشره”، وهذه الثلاثة كلها لا يمكن تحقيقها إلا بالتحلي بالصبر.. ولكن أي صبرٍ هذا الذي يتحقق به الإيمان؟
الصبر هو المنع والحبس لغةً. فالصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكّي، والجوارح عن إيذاء بعضها ببعض. “وأما حقيقته فهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها”.
وله أشكال أربعة:
صبر النفس الإختياري: يكون عن المفاهيم الضارة كالشهوات الغير مباحةمن نظر وسمعٍ وحديثٍ غير جائر، والإمتناع عن سفاسف الأمور وسيئ الأخلاق.
صبر النفس الإضطراري: يكون على الألم المصاحب لفقدان إنسان أو شيء أو بسبب حدوث ما تكره النفس ولكنها مضطرة للصبر لأنها لاتستطيع دفعه.
صبر البدن الإختياري: يكون في الإمتناع عن شهوات معينة كالطعام والشراب عند الصيام والنوم عند المجاهد أو المسافر وإلى آخره.
صبر البدن الإضطراري: يكون على الألم والمرض والجوع، وهو حاصلٌ لامحالة لأن الإنسان لا يستطيع دفعه.
فكما نلاحظ أن هنالك صبران اضطراريان يتشارك فيهما الإنسان مع الحيوان، وهنالك صبران إختياريان أُختص بهما الإنسان عن سائر المخلوقات. وبذلك فهو مفضولٌ بالصبر الإختياري الذي معه يمنع نفسه وبدنه عن ماتشتهي وتحب لأجل معنى أو هدف معين.
ولو نظرنا للمفهوم العام للصبر عند الناس تجده يدور في رحى الصبر الإضطراري. الصبر على الألم والصبر على القدر وهذا بلا شك فيه نزعٌ مباشر لقيمة الصبر والحكمةِ منه وفيه بطرٌ لمعناه الحقيقي، وفضيلته التي بها تفضل الإنسان عن سائر المخلوقات.
حقيقة الصبر إذن في منع وحبس النفس والبدن بالإختيار عن فعل شيء ما أو قول شيء ما. وبهذا يتحقق شطر التقوى وبهذا تسكن النفس ويهدأ البدن. تخيّل أن تفعّل في نفوسنا خاصية الصبر الإختياري، ونصبر على فعل المأمور، ونصبر على ترك المحظور، اختيارياً، فكيف سيكون حالنا؟
وما أعنيه من قوة الصبر في نقل الإنسان من حالٍ إلى حال، هو في منع نفسه عن السفاسف، ومنع بدنه عن ماتشتهيه مما لا يجوز شرعاً أو حتى مما لم يكن مفيداً صحياً أو لائق عرفيّا وأخلاقياً. تخيل أن تملك صبراً جباراً ويكون لك هذا الصبر حصناً منيعا عن العادات السيئة كالتدخين والكسل والمماطلة والنفاق الاجتماعي والعنصرية وتطول القائمة بنا لو استحضرناها كاملةً.
هذا النجاح الذي تنشد، يحتاج منك “منع النفس” عن المشتتات.
وهذا البيت الذي تحلم به، يحتاج منك “منع النفس” عن التبذير.
وهذه العائلة التي تحلم بها، تحتاج منك “منع النفس” عن إضاعة الوقت خارج المنزل.
وهذا المشروع الذي تحلم به، يحتاج منك “منع النفس” عن الكسل والمماطلة.
كل ماتشتهي الأنفس سيكون في الجنة من نصيبها لأنها امتنعت عنه في الدنيا باختيارها.. فما بالك بنعيم الدنيا؟
