قلق السعي إلى الخلود

السعي إلى الخلود يعد رغبة ظاهرة من رغبات الإنسان وفطرة جُبل عليها وهي من صميم تكوينه، ومن هذا الباب استطاع إبليس أن يلج إلى عقل أبي البشرية آدم عليه السلام فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَى”.. زيّن له فكرة عدم إدراك الموت له، وأن لايبلى، وبذلك إستطاع أن يوقعه في الخطيئة. إذاً هي فكرة مغرية جداً بمقاييس كل إنسان بشكل عام.

بغض النظر عن الجنة التي كان يسكنها أبونا عليه السلام، فلم يطلق عليها وصف جنة إلا لإحتوائها على الكثير من الماديات والملذات، وربما مالا يخطر على قلب بشر. هذه الملذات المادية لم تثني الإنسان عن رغبةٍ باطنة خارجة عن الماديات،رغبة الخلود، والخروج من سيطرة الموت والفناء. 

من هذه الجبلّة نشأ هذا القلق في تخليد الإنسان لنفسه أو الصالحين من جنسه وأصابته الحيرة في ماذا يجب أن يخلُد؟ أبدنه، أم روحه، أم ذكره؟ وسعى إلى تحقيق ذلك بأشكال مختلفة، فـ نحَت التماثيل، وصوّر الصور وألّف الكتب، وسطّرها بتاريخه الذي عفى الزمان على الكثير منه. ورغم ذلك، ومع تكرار الفشل يظل الإنسان يطلب هذا الوهم، ويلهث خلفه في كل عصر مستخدماً أحدث أدوات وتقنيات عصره، وهكذا تأتي رحاة الزمان على كل ماعمل فتطحنه وتتركه للهواء ليفرقه.

طرح إيرنست بيكر في كتابه إنكار الموت، فكرتين أساسيتين أولاهما أن الإنسان كائن فريد يستطيع إستحضار الماضي والتنبؤ بالمستقبل مما يجعل فكرة الموت حاضرة ومرعبة بالنسبة له. أما الفكرة الثانية فـ مشروع الخلود وتتعدد أشكال هذا المشروع وغالبها يكون مرتبط في المشاركة بالإنشطة التي تعتبر شيء أكبر من الجسد البشري، أي المشاركة في أي أمر قد يمنح الإنسان شكلا من أشكال الخلود بعد فناء الجسد. والإنشغال بمشروع الخلود غالباً مايزيد من منسوب القلق الذي يستحوذ على الإنسان ويجعله رهينة لـ تنفيذ مشروع معين يستطيع من خلاله دحض شبح الفناء عن نفسه بأي شكل من الأشكال ولو يسيراً.

ومع وجود هذا الوعي بحتمية الموت عند كل نفس، يتزايد القلق من حتمية الفناء في عصر فلاسفة النهضة والتنوير الذين احتفوا بالحياة أكثر من اللازم، وأسسوا مدارس تقوم على الإيجابية الصرفة في مواجهة الحياة. فالإنسان في هذا العصر الصناعي والتقني لم تعد تربطه بالموت علاقة كبيرة، فكل شيء من حوله ينبض بالحياة التي بثتها الكهرباء في أجزاء المادة. الجمادات لاتموت، وهو في الغالب لايرى ولايتعامل إلا مع جمادات من آلات وسيارات يصيبها توقف مؤقت ثم تعود تنبض من جديد. لذلك فإن فكرة الموت بعيدة نسبيا عن عقله وهو بدوره يدفعها عن وعيه على أمل نسيانها.

لا أخفيكم سرا أن فكرة الخلود ترعبني، وأشعر أنها لو تسنّت لي لأصبحت حياتي بائسة. أعتقد أن الموت يعطي للحياة معنى الحياة.

ولا أخفيكم سراً أني كنت مشغولاً بهذه الفكرة زمناً طويلا، وعندما تفحصت صفحات الشباب على مواقع التواصل الإجتماعي اكتشفت أني أطلب وهماً يطلبه الكثير منهم ، الذين غرتهم شدة أبدانهم وقوة عزيمتهم وعنفوان الشباب. 

كلنا يريد أن يترجم وجوده إلى خلود سرمدي.. كلنا تغرينا فكرة الخلود بما وفرته لنا أدوات عصرنا من تواجد غير منقطع، فالأنترنت مثلا من أدوات العصر الحالي التي غذت هذه الفكرة في عقولنا.

واكتشفت أن من حفظ التاريخ ذكرهم، هم أولئك الذين لم تشغلهم فكرة الخلود، بقدر ما بذلوا من إخلاص تجاه أعمالهم التي عاشوا وماتوا في سبيلها. ولو أخذنا كتاب “الأربعين النووية” كـ مثال واحد على أن الأعمال الخالدة سرها في إخلاص أصحابها لوجدنا أنه مؤلف يحتوي على اثنين واربعين حديثاً أغلبها من الصحيح وكلها تدور حول مقاصد التشريع، وقد كانت كلها أحاديث معروفة قبل النووي، ولكنك لاتجد أحداً من أهل العلم لم يشرح هذا الكتاب أو يُدرّسه أو يَدرسه خلال مسيرته العلمية، ويعتبر حجر أساس لكل من أراد أن يدخل إلى علم الحديث. على صغر حجم الكتاب وقلة محتواه إلا أنه من أشهر كتب الإسلام، فلماذا استمر هذا الكتاب واندثر غيره؟

واكتشفت أن طلب الخلود لذاته يُعد مبدأً إبليسياً، وسوس به إبليس لأبينا آدم ليخرجه مما كان فيه فلما تسنّى له ذلك ويأس من رحمة الله، سأله لنفسه، مكرراً رغبته وأمنيته في الخلود ولو مؤقتاً عندما قال”رب فأنظرني إلى يوم يبعثون“، وهذا نقيض إختيار سيد البشر محمد صل الله عليه وسلم عندما أخبر عن نفسه في آخر خطب حياته قائلا (إن عبداً خيره الله بين الخلد في الدنيا ماشاء الله وبين لقاء ربه، فاختار لقاء ربه)”..

وفي المقابل كيف لهذا المخلوق الفريد الذي يعتقد أن الكون يتمحور حوله، كيف له أن يؤمن بأنه لم يكن له وجود وأن سيختفي بلمحة عين في يوم من الأيام قريب؟..

ذلك أن من عجائب القرآن التي لاتنتهي، معالجته لهذه المعضلة بتساؤل مثير.. جاء في مطلع سورة الإنسان “هلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا”. أي أنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً ولم يكن مذكوراً، كان عدماً. . فكل إنسان يشعر بأنه كان دائما موجوداً وأنه لم يكن عدماً أبداً وهذه فكره يمليها العقل وتعززها النفس البشرية. هذا التساؤل يحرج إحساسنا بالتواجد، ويضع هذا الإحساس تحت المجهر، وكأن الآية تنبهنا على الفكرة المغلوطة التي نعتقدها في أنفسنا، والتي تكمن في الإحساس بالتواجد رغماً عن تواريخ الميلاد، ورغماً عن الموت الذي يتخطف الناس من حولنا ورغماً عن الزمان الذي كان قبلنا والذي سيكون بعدنا وسيطوينا عاجلاً أم آجلا.

وختاماً، ننوه أن القرآن الكريم استحضر هذه القضية بشكل مكثف في خطابه لبني آدم. وكان له دور كبير في تهذيب هذه الجبلّة بتبشير المؤمنين بعدم إنقطاع عملهم الصالح من علمٍ نافع، وصدقة جارية بعد الموت، وشدد على موضوع الإخلاص في العمل، ورسم لهم الهدف الأكبر والخلود الحقيقي والفوز العظيم بالخلود في الجنة جعلنا الله وإياكم من أهلها.

أضف تعليق